لن ننساكم
تحية
الى شهداء المسرح المصري والعربي في خمسة سبتمبر 2005
من أجل التوثيق وحتى لا
ننسى وقائع ذلك اليوم المشئوم 5 سبتمبر 2005
نضع هنا ما كتبته الصحف عن الحادث الذي ستظل آثاره عالقة بنا و مرارته في
حلوقنا.
الجزيرة
7/9/2005
حريق مسرح بني سويف يغيب أسماء فنية مصرية لامعة
غيبت نيران الحريق الذي اندلع
في بني سويف بصعيد مصر، وأسفر عن مقتل 32 شخصا هم أسماء لامعة في المسرح المصري
والعربي بينهم كتاب ونقاد ومخرجون وأساتذة متميزون قبيل انطلاقة مهرجان القاهرة
الدولي للمسرح التجريبي.
وأسفر الحريق عن مقتل شخصيات بارزة مثل أستاذ الدراما في المعهد العالي للمسرح
التابع لأكاديمية الفنون والممثل والمخرج محسن مصيلحي صاحب التأثير الكبير في
الأوساط الطلابية وكذلك المخرج بهاء الميرغني الناشط في الحركة الطلابية في
السبعينيات.
وغيبت النيران أيضا اسمين لامعين في عالم النقد والكتابة المسرحية هما أستاذ
النقد في أكاديمية الفنون حازم شحادة وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت
أبو بكر، إضافة إلى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15
عاما الذي كانت تعرض ضمنه مسرحية "حديقة الحيوان", وأستاذ المسرح
المتميز صالح سعد.
وتمكن رجال الإطفاء من إخماد الحريق بعد ساعتين من اندلاعه, لكن بعض القتلى لقي
حتفه دهسا بعد أن دب الذعر في صفوف المشاهدين حيث قال محافظ بني سويف إن هناك
أشخاصا توفوا اختناقا بينما قالت مصادر طبية إن بعض الجثث تفحمت ويصعب التعرف
عليها.
وقال المخرج ناصر عبد المنعم إن هذه الكارثة ستعاني منها الحركة المسرحية في مصر
لمدة طويلة، ليس فقط بسبب فداحة هذا الفقد بل أيضا لحسرة فقدان رفاق مسيرة
وأساتذة متميزين يعملون على إعداد جيل جديد يرفد الحركة المسرحية المصرية
والعربية, على حد قوله.
من جانبه اعتبر الناقد في أسبوعية الأهرام العربي سيد محمود أن ما جرى لا يمكن
أن يمر مرورا عابرا، خاصة أن الأسماء التي ذهبت ضحية هذا الإهمال من قبل
المسؤولين في مواجهة مثل هذه الحالات هي من الأسماء المؤثرة في الحركة الثقافية
المصرية وليس المسرحية فقط.
وقد اختارت الدورة الـ15 لمهرجان نوادي المسرح الذي وقعت خلاله هذه الكارثة بعد
يومين من بدء فعالياته 51 عرضا من بين 751 عرضا أنتجتها نوادي المسرح في قصور
الثقافة التابعة لهيئة الثقافة الجماهيرية للمشاركة في المسابقة الرسمية
للمهرجان.
وكان المهرجان الذي تشارك فيه فرق من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والفيوم
والسويس والجيزة والمنيا والأقصر وسوهاج والشرقية والإسماعيلية والمنوفية افتتح
السبت الماضي بعرض مسرحية "أغنية الوادع" لمحمد عرفة.
المصدر: الفرنسية
أعلا الصفحة
التدافع ضاعف خسائر حريق
مسرح بني سويف بمصر
الحريق أتى على المسرح
بالكامل في غضون ساعة واحدة (رويترز)
ارتفع عدد ضحايا حريق المسرح بمدينة بني سويف جنوب العاصمة المصرية إلى 32 قتيلا
و37 جريحا بعضهم في حال خطرة.
حالة الهلع التي أصابت المشاركين في العرض المسرحي والجمهور أدت لتزايد عدد
الضحايا إثر التدافع للخروج من الباب الوحيد لمسرح قصر ثقافة بني سويف الذي كان
يستضيف مهرجان نوادي هواة المسرح المصرية.
وأشار التفسير المبدئي إلى أن الحريق اندلع إثر سقوط شمعة مشتعلة كانت مستخدمة
بمسرحية "من منا حديقة حيوان" لفرقة من محافظة الفيوم لتمتد النيران
في السجاد والستائر والديكور المكون من الخيش والورق. وساعد في سرعة انتشار
النيران استخدام مواد سريعة الاشتعال في تجهيزات المسرح.
وقال مصدر طبي بمستشفى بني سويف العام إن 16 من المصابين يعانون من حروق خطيرة
نسبتها 60% على الأقل، ولم يتم التعرف بعد على هوية أكثر من 12 جثة.
ساعة واحدة
نسب الحروق لدى بعض الجرحى وصلت إلى 60% (رويترز)
المسرح المؤلف من طابق واحد وملحق بقصر ثقافة بني سويف احترق بالكامل في غضون
ساعة واحدة، وذكرت مصادر صحفية مصرية أن معظم الضحايا من الممثلين ونقاد المسرح.
كما انتقد بعض المصابين والناجين عدم وجود طفايات حريق.
وأعلن وزير الصحة المصري محمد عوض تاج الدين عقب زيارته للمصابين أن تحقيقات
النيابة العامة المصرية ستحدد الأسباب الحقيقية للحريق وسبب ارتفاع عدد الضحايا.
وأكد مسؤولون أن التحقيقات ستتناول أيضا مدى توافر إجراءات كافية لمكافحة
الحرائق بالمسرح وقصر الثقافة.
ويثير الحريق مرة أخرى مسألة إجراءات مكافحة الحرائق وإهمال وسائل الأمن الصناعي
في المباني العامة بمصر التي تشهد مرارا حرائق ضخمة تؤدي لخسائر بشرية واقتصادية
جسيمة.
ويعد حادث قطار الصعيد عام 2002 من أبرز هذه الحرائق، حيث قتل نحو 350 شخصا
عندما اشتعلت النار في عربة مكتظة بالركاب أثناء سير القطار.
أعلا الصفحة
المصري د.سعد يمضي كبطل
تراجيدي
الرأي الأردنية 8/9/2005
عمان - جمال عياد - شاء القدر أن تسقط شمعة من يد الممثل، في عرض مسرحية «هملت»
مساء الاثنين الماضي بمسرح مكتظ بالمشاهدين في بلدة بني سويف بصعيد مصر ليل
الاثنين الماضي، مما أدى إلى نشوب حريق سريع أودى بحياة 32 شخصا. وعرف من
المتوفين ممن زار المهرجانات المسرحية الأردنية، د. صالح سعد، وخصوصا عبر
مشاركاته بلجان التحكيم، وكان أن قمت، في العام الماضي، وضمن وفد مسرحية «هملت»
من إخراج حكيم حرب، المشاركة ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للتجريب لعام
2004، بزيارة بيت المرحوم الدكتور د. صالح سعد، و أطلعنا حينها على تجربة مسرحية
قدمت ضمن فضاء غرفة الضيافة، جسدها كل من ابنته وزوجها.
ولا أدري ماذا نقول لابنته وزوجها عند زيارتنا لهم، وبعد أسابيع عند حضور
فعاليات مهرجان القاهرة لمسرح التجريب في دورته الحالية، حينما يصفع وجوهنا
حزنهم النبيل، لكن نقول في النهاية هذه هي إرادة الله. وكما في المسرح التراجيدي
تمضي الشخوص عبر مساراتها، إلى نهاياتها، وهي تدرك مصيرها المحتوم، لكنها لا
تتراجع، وتقابله دون تراجع أو وجل.
وهكذا، مضى د.سعد، وزملاؤه، كأي بشري يتشبث بكل ما أوتي من قوة في إنسانيته،
وكأني أراهم يتسابقون، وسط ذلك الحريق الأرعن لأنقاذ ممثليهم، الذين رعوهم
كمدرسين في جامعاتهم، وهم على مقاعد الدراسة،بالشجاعة والنبل المعروف عنه عند من
يعرفه جيدا، فقد مضى شهيدا، وهو على رأس عمله ينظر وزملاءه لجنة التحكيم لاختيار
العروض المشاركة في مهرجان القاهرة الدولي للتجريب.
أعلا الصفحة
يا مسافر..وحدك - بقلم :
غنام غنام
الرأي الأردنية 8/9/2005
لمن أرثيني اليوم في غيابكم الناري هذا؟ لمن يقام السرادق يا صاحب السرادق إذ
ترحل؟لمن تشعل الشموع بعد أن صارت حريقا إبتلعكم؟و ماذا سيكون الكون إلا وحشة
قبر دون مشاغبتكم؟بني سويف..لماذا ..وكيف صرت فجأة ساحة موتهم؟ ألكي تتسع
الفجيعة و يصبح بعدها الكون ساحة للفجيعة؟ أم هو المسرح قد إشتعل غيظا مما يدور
فأشعلهم و أوقد أرواحهم و فر بهم عنا بعيدا؟صالح سعد يا هاملت القديم, من يناجي
بعدك في عمان يمامة فوق الجبل؟ و يقول لمريم الله حين تصرخ مع إمام حلو المراكب
مع المغرب و فاتوني..عالشط واقف بلا مركب و فاتوني , حازم , مصيلحي، أبو بكر،
سمك،أحمد عبد الحميد,بهاء الميرغني..هل تعرفون الغياب الذي ألفينا أنفسنا فيه
إثر فراركم من ترهات هذه الحياة التي كنا نقول دوما إنكم أبناؤها البررة؟أرثي
لكم نفسي يا سادتي الراحلين، وكيف لا ولكل منكم مكانه في النفس ,فإن راح و راحت
معه,فما الذي تبقى لنا؟ يقول المسافر في مسرحيتي الأخيرة(يا مسافر..وحدك): هبطت
خلف الستارة حللت فوق الخشبات نزفت عمرك و أفنيت الحياة سجادة في القصر و سجادة
تلعق النار على العتبات كومبارس هذا الزمن كومبارس هذا الزمن أم هو زمن
الكومبارسات؟
أعلا الصفحة
مثقفون مصريون يطالبون بالتحقيق في محرقة بني سويف
الغد الأردنية 10/9/2005
القاهرة - توجه ظهر اول من امس
اكثر من 150 من مثقفين وكتاب ومسرحيين وسينمائين مصريين ومجموعة من فنانين وكتاب
من اجل التغيير الى مكتب النائب العام ورفعوا اليه بلاغا يطالب بالتحقيق مع
ثلاثة وزراء حول محرقة بني سويف التي اودت بحياة اكثر من نصف نقاد المسرح في مصر
من بين 32 شخصا هم ضحايا الحريق.
وطالب بلاغ المثقفين وحركة كتاب وفنانين من اجل التغيير في بلاغهم إلى النائب
العام بالتحقيق مع وزير الثقافة فاروق حسني وقيادات في وزارته بينهم مصطفى علوي
بصفته رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة وعادل فراج مدير الفرع الثقافي في بني
سويف ومدير قصر ثقافة بني سويف ورئيس الادراة المركزية للشئون الفنية مصطفى المعاز.
كما طالبوا بالتحقيق مع وزير الداخلية حبيب العادلي ومدير امن بني سويف ومدير
الدفاع المدني في بني سويف ووزير الصحة محمد عوض تاج الدين ومدير مستشفى بني
سويف.
وقد استقبل النائب العام ماهر عبدالواحد وفدا من المثقفين بينهم الروائيون صنع
الله ابراهيم ومحمد البساطي وبهاء طاهر والناقدة عبلة الرويني والفنان التشكيلي
الناطق باسم حركة كتاب وفنانين من اجل التغيير عادل السيوي والمخرج المسرحي ناصر
عبدالمنعم لمدة تجاوزت الساعة.
ووعد النائب العام اعضاء الوفد كما ذكر المخرج عبدالمنعم بان"تقوم النيابة
بالتحقيق الكامل وان يمتد التحقيق الى جميع الجهات المسؤولة عن الاهمال الذي
اودى بحياة نخبة متميزة من المسرحيين ونقاد المسرح في هذا الحريق".
وكان صنع الله ابراهيم صرح للصحافيين أن "هذه الجريمة التي ذهب ضحيتها هذه
الكوكبة المهمة من المسرحيين المصريين لا يمكن لها ان تمر مرور الكرام ولا بد ان
يحاكم كل المسؤولين عنها ولا بد لوزراء الثقافة والداخلية والصحة من أن يستقيلوا
كرد بسيط على هذه المأساة الانسانية.
ومن جهته قال الكاتب مدير تحرير اسبوعية اخبار الادب عزت القمحاوي ان "هذه
الكارثة تشترك فيها كل ادارات الدولة المصرية التي تهتم وزارة ثقافتها
بالاحتفالات الشكلية على حساب الاهتمام بحياة البشر وتهمل المواقع
الثقافية".
وقال أن وزارة الثقافة "تضع موازنة لمهرجان المسرح الذي لا اثر يوميا له في
حياتنا اليومية تساوي الموازنة الموضوعة لموازنة مسارح الدولة التي تتعايش معنا
في كل ايامنا، ونحن بهذا الاهمال وبهذه المحرقة التي وقعت في بني سويف قبل ايام
فقدنا اكثر من نصف نقاد المسرح المصري واكثرهم بروزا وعطاء".
ومن ابرز ضحايا هذا الحريق الذي وقع ليل الاثنين الماضي في مسرح قصر ثقافة بني
سويف النقاد والكتاب واساتذة المسرح محسن مصلحي وحازم شحادة وصالح سعد وآخرون.
كذلك اتجه رئيس اتحاد الكتاب المصريين محمد سلماوي بشكل مستقل بتقديم بلاغ باسم
اتحاد الكتاب يطالب بالتحقيق العادل والنزيه فيما وقع في حريق مسرح قصر ثقافة
بني سويف الذي اودى بحياة 32 مسرحيا من نقاد وكتاب وفنانين.
أعلا الصفحة
ما قاله الناجون من النار
2005/09/10
القدس-عزت القمحاوي
بينما كانت مصر كلها خشبة لمسرح الانتخابات الهزلي، التقي في مدينة بني سويف
هواة المسرح الجاد في مهرجان احتضن مسرحيات النابغين من طلاب أكاديمية الفنون
وأقاليم مصر الثقافية؛ أربعة عشر عرضا لا تتجاوز ميزانية الواحد منها الخمسمائة
جنيه (أقل من مائة دولار).
ولنا أن نتخيل فقر الإقامة وصعوبتها التي قبلتها هذه السلالة النبيلة من
الممثلين والمخرجين والنقاد من أجل تقديم عروضهم في مدينة مهملة لا يوجد بها سوي
قاعة مسرحية واحدة، بينما تم إعداد قاعة صغيرة أخري مخصصة أساسا للمعارض
التشكيلية، جدرانها من مواد صناعية سريعة الاشتعال، وهي القاعة التي تحولت إلي
محرقة للمسرحيين مساء الإثنين الماضي!
أتت المحرقة علي حيوات أربعة وثلاثين من خيرة المسرحيين المصريين وجمهورهم
بالإضافة إلي عدد مماثل في المستشفيات بين الحياة والموت.
قيل إن السبب في الحريق كان سقوط شمعة من ممثل في نهاية عرض فرقة الفيوم انتشر
بسرعة بالغة في الديكورات الرخيصة المصنوعة من ورق شكائر الأسمنت الفارغة
والملون بالأسبراي ومنه إلي حوائط وسقف الفوم شديد الاشتعال فانفجار أجهزة
التكييف، كل هذا بينما أغلق الحارس باب المسرح علي الضحايا وذهب إلي المقهي.
في لحظة تشييع شهداء الفن حضر وزير الثقافة لمدة ربع ساعة، وأبدي استغرابه من
استخدام الشموع في عرض مسرحي، مؤكدا أن ذلك أُبطل في العالم كله!
ولابد أن ماقاله الوزير صحيح بشأن إبطال الشموع في المسارح العالمية، فهو أدري
بوصفه فنانا عالميا، جاء إلي الوزارة بعد سنوات طويلة من الإقامة في روما وباريس
والتجوال في العواصم العالمية، وإذا كان الأمر كذلك حقا، فإن استخدام الشموع
بعرض الفيوم لا يعدو كونه إحدي غرابات المصريين التي لا يمكن أن يفهمها حكامهم
الأثرياء، إذ يتكاثفون أمام الأفران البلدية المنتجة للخبز المخلوط بالتراب
بينما محال الحلوي مليئة بالغاتو النظيف.
أدان الوزير الشمعة ومستخدميها الذين انتهت حياتهم بنهاية العرض، وقد أخذوا
نقادهم معهم، فلم يرجع أحد من لجنة التحكيم ليحدثنا عن المستوي الفني للعرض أو
ضرورة الشمعة فيه، أو حيرة فنانيه أمام معضلة تدبير ثمن الديكورات والأدوات
الرخيصة.
والحق أن الوزير الذي افتتح مؤخراً قصره الثاني وظهر علي غلاف مجلة البيت
الشهرية التي تصدرها الأهرام لم يبخل بشيء، بل دعا إلي سرقة أفكاره المبتكرة في
الديكور البسيط، وكان الأولي أن يستفيد منها المسرحيون، وهم فنانون مثله، ولابد
أن صعوبات تتعلق بتحديد مفهوم البساطة لدي الجانبين حالت دون ذلك.
العائدون أحياء من بني سويف بسبب منعهم من دخول القاعة بعد اكتظاظها لم يحملوا
ذات المشاعر التي أبداها الوزير تجاه الشمعة.
مذهولين بفقد زملائهم وأصدقائهم تحدثوا عما بعد دمار الشمعة المجرمة، وكيف أهدرت
إمكانيات النجاة من المحرقة المحكمة.
كيف وصلت أول سيار إسعاف بعد ثلاثة أرباع الساعة ولم تعمل أجهزتها، كيف رفض
المستشفي الخاص استقبال الضحايا، وكيف تركوا بحروقهم للتلوث في العراء حتي ظهرت
سيارات الإسعاف بظهور وزير الصحة، وكيف تم رفع من نقلوا بالسيارات الخاصة من فوق
أسرتهم لتغيير الملاءات قبل تشريف الوزير لمستشفي بني سويف العام.
الحريق أبشع من أن يوصف، فقد تمكنت أسر الضحايا من التعرف بصعوبة شديدة علي جثث
أبنائها.
ومن المستحيل أن تعوض هذه الخسارة الإنسانية والثقافية، لكن المأساة مرشحة
للتكرار في أي من خرابات الثقافة الحماهيرية التي تسمي سخرية منا قصور ثقافة .
إن لم يكن بلهب شمعة فبعود ثقاب أو انهيار سقف.
تلك المواقع الثقافية في كل مدينة مصرية، بل في كل القري الكبيرة، هي أحد
مكتسبات يوليو وكان بوسعها أن تكون منارات، لكنها تعرضت للهجر ككل الكيانات
القديمة التي صارت بالية في عرف النظام، فليس المطلوب بث الحياة فيما هو موجود
سابقا وينسب فضله للآخرين، بل بناء الجديد إرضاء لشهوة قص أشرطة الاحتفال في
العاصمة، وإقامة المهرجانات العالمية إخلاصاً لفلسفة الحفلة والاستعراض.
وهكذا عرفت القاهرة العديد من المتاحف الجديدة والمباني الإدارية الضخمة برخام
باذخ وبارد، بينما يتم تجفيف المنابع الثقافية في القري والمدن الصغيرة بإهمال
مكتباتها والتضييق علي مبدعيها، ويكفي أن نعرف أن ميزانية المسرح في الثقافة
الجماهيرية من أسوان إلي السلوم لا تصل إلي نصف ميزانية المهرجان السنوي للمسرح
التجريبي!
وبالتأكيد، فإن الرؤية الاستعراضية لا تخص وزارة الثقافة وحدها، وإن كانت الأسبق
في تطبيقها.
مستشفيات الدولة أفرغت لصالح مستشفيات القطاع الخاص، وتكاد مصر تكون البلد
الوحيد في العالم الذي لا يعاقب فيه مستشفي يرفض الحالات الحرجة، وبالمثل خربت
المدارس لصالح مراكز الدروس الخصوصية. وهكذا في جميع القطاعات؛ تفرغ المؤسسات
العامة من مضمونها وتبقي مجرد خيال ظل يحلفون به علي وجود المجانية!
ولكن، من محرقة قطار الي محرقة مسرح تنكشف المكانة التي يحتلها المصريون في فكر
حكامهم، ولهذا فقد توجه المثقفون إلي النائب العام مطالبين بمحاكمة ثلاثة وزراء،
حتي لا تنتهي الكارثة إلي إدانة الشمعة وحارس القاعة، مثلما تنتهي مذابح
القطارات بإدانة عامل التحويلة!
المشهد الأخير
السيناريو المفزع لحريق مسرح بني سويف
عبد الرازق حسين
آخر ساعة 14/9/2005
مشهد مخيف.. في لحظة واحدة حاصرت النيران 70 متفرجا وفنانا وناقدا.. شبح الموت
الرهيب تراقص حولهم جميعا، خلال ثانية واحدة احترق كل شيء.. الأرضيات، الجدران،
تحولت قاعة المسرح إلي فرن كبير، مغلق من الخارج بجنازير! المصير محتوم لجميع من
شاء حظهم دخول مشهد الختام بأرجلهم، القاعة التي شهدت المأساة ضيقة جدا، لا تسمح
لأحد بالحركة أكثر من 50سنتيمترا! اكتملت ملامح اللامعقول داخل مشهد الفزع
الرهيب، وجاءت النهاية بالحصاد المر، خسائر غير مسبوقة للمسرح المصري، وعلامات
استفهام تتساءل حول الأسباب والنتائج..
من يتحمل مسئولية 'الكارثة' التي حدثت داخل قصر ثقافة بني سويف؟ أطراف عديدة
تتقاسم هذه المسئولية، الأسباب المؤدية لما حدث قائمة منذ سنوات، عشرات العروض
المسرحية سبق تقديمها داخل قاعات صغيرة، أو بمعني أدق 'مخازن'، لم يتوقف أحد
أمام هذه القنبلة الموقوتة، كان القائمون علي العروض المسرحية 'يحشرون' الجمهور
والفنانين داخل علبة ضيقة لأن المخرج يريد تقديم رؤية تجريبية لعرضه! في حالات
كثيرة كان بعضهم يلجأ إلي إشعال نيران الشموع، وكثيرا ما سقطت وكادت تتحول إلي
حرائق. إلا أن الرغبة الجامحة لدي النقاد وجهاز الثقافة الجماهيرية تجاه تشجيع
إبداع الهواة كانت تتجاهل مثل هذه الأحداث البسيطة، ويقفز الجميع إلي الأهم،
إبداعات وتجارب وشجاعة هواة المسرح في اقتحام أشكال التجريب!
ما حدث في بني سويف كان مشهد الختام لمسلسل طويل اسمه 'الإهمال'، قاعة أو مخزن
صغير لا تتجاوز مساحته 100 متر، وكالمعتاد يتسابق العشرات للفوز بمقعد داخل هذا
المخزن، سبعون شخصا فقط رسم لهم القدر مشهد النهاية. تم إغلاق الباب الوحيد
للخروج والدخول عليهم، لمنع العشرات مما ينتظرون بالخارج من زيادة تكديس القاعة،
وكالمعتاد في مهرجانات الثقافة الجماهيرية جلس في الصف الأول أعضاء لجنتي
التحكيم والندوات لجنة التحكيم لرصد الدرجات المستحقة للعرض وعناصره ولجنة
الندوات لمناقشة المفردات الفنية مع فنانيه والجمهور بعد إسدال الستار..
لم تكن شمعة واحدة أو اثنين وراء إشعال النيران، نحو 50 شمعة كانت مشتعلة وتغلف
المشهد بالكامل بإحساس قاتم. اقتربت المسرحية من نهايتها. أحد أبطال العرض تعثرت
قدماه لتسقط إحدي الشموع المشتعلة فوق أرضية الصالة 'المدهونة' بالإسبراي. ليبدأ
أغرب وأعجب وأصعب مشهد حي في تاريخ المسرح المصري، الباب الوحيد للقاعة مغلق
بإحكام من الخارج! والقاعة الضيقة التي تجري فيها النيران من أسفل وأعلي لا تسمح
لأحد بالحركة، مشهد لا يستطيع أحد أن يتصور حجم ما حدث داخله من رعب وفزع وهلع
وألم وعذاب، اختلط الصراخ والعويل والدماء بأشباح الموت داخل المخزن أو قاعة
المسرح التي تحولت خلال ثوان إلي مقبرة جماعية لنقاد كبار وأساتذة وفنانين
مبدعين، الباب المغلق حال دون تقليل حجم الخسائر حتي للذين شاء حظهم أن يجلسون
في الصفوف الخلفية، وسارعوا إلي طرق باب النجاة، لاحقتهم النيران، جميع من كانوا
داخل القاعة تحولوا إلي ضحايا، تراوحت درجة الإصابة بينهم من 10 % إلي90 % ..
مسئولية من؟
هل مخرج العرض يتحمل وحده مسئولية هذه الكارثة الدموية بسبب الأوراق والشكائر
وقطع الخيش ومواد الدهان التي انتشرت في كل الفضاء المسرحي، بالإضافة إلي مصدر
النيران المباشر 'الشموع' أم إدارة قصر الثقافة التي لم تلتزم بالقواعد المتبعة
للدفاع المدني، التي تنص علي وجود جنود إطفاء قبل بدء العروض، والتأكد من سلامة
وسائل الدفاع المدني ووجود أماكن كافية لخروج، أو هروب المشاهدين في حالات
الطواريء. أم أن المسئولية الحقيقية تقع علي إدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية
التي سمحت بهذا العبث بأرواح الناس، ولم تضع أمام فنانيها حلولا فنية للعروض
تعطي ذات التأثير الذي يريده المخرج دون اللجوء إلي مصادر حقيقية للنيران..
الضحايا الذين ذهبوا في هذه الكارثة خبرات نقدية وفنية وإدارية، يجمعهم حالة
نادرة من العشق والإخلاص والاهتمام بمسرح الأقاليم، النقاد الذين كانوا يجلسون
في الصف الأول، وكانوا أيضا أول من استقبل مشهد الرعب والموت، سافروا عبر كافة
وسائل النقل إلي جميع بيوت وقصور الثقافة في القري والنجوع والمدن، شاهدوا
وشجعوا عشرات التجارب التي يقدمها الهواة في جميع أنحاء مصر، من أسوان إلي
الاسكندرية، ومن أقصي حدود مصر في سيناء بمدن جنوبها وشمالها مرورا بالقناة
ومحافظات الدلتا وحتي مرسي مطروح. عشرات المئات من الكيلومترات كان يقطعها هؤلاء
سنويا لدعم وتأكيد أهمية مسارح الهواة، وشاء القدر أن يخطفهم في لحظة واحدة، مع
فناني فرقة الفيوم المسرحية، التي فقدت 15 فنانا من أفضل عناصرها ومعهم مبدعون
آخرون من القاهرة وبورسعيد واسكندرية والبحيرة ليصل العدد حتي الآن إلي 35
ضحية..
مشهد يفوق في بشاعته وتأثيره الخيال، وما حدث بعد ذلك للقتلي والجرحي، قبل وبعد
الاتصالات العاجلة التي تمت بين عدد من كبار المسئولين أضاف للمشهد مساحات أخري
من الأضواء والظلال وعلامات الدهشة، المأساة التي جرت في بني سويف وهزت كل من
تابع فصولها انتقلت بأحزانها إلي الأوساط الفنية والمسرحية خارج مصر، في البحرين
والأردن وعواصم عربية أخري أعلن المسرحيون الحداد علي الضحايا، وبينما كانت
وكالات الأنباء والفضائيات تبث الخبر لأنحاء العالم كانت الصدمة والدهشة
والارتباك يسيطرون علي أقارب وأصدقاء الضحايا، في حين عجزت هيئة قصور الثقافة عن
اتخاذ القرارات السريعة المناسبة لمواجهة الكارثة لحظة وقوعها..
الموكب الحزين
بعد ساعات من الكارثة قررت أكاديمية الفنون تنظيم جنازة للضحايا الخمسة، د.محسن
مصيلحي أستاذ النقد والدراما بالمعهد العالي للفنون المسرحية وطلاب قسم التمثيل،
شادي منير الوسيمي ومحمد إبراهيم ومحمد شوقي بالإضافة لطالب قسم الديكور محمد
مصطفي حافظ، تجمع عشرات الطلاب وأسر الضحايا داخل الأكاديمية في انتظار الإفراج
عن الجثث من مستشفي بني سويف، وبدأ موكب طويل وحزين يتخذ طريقه سيرا علي الأقدام
حتي مسجد خاتم المرسلين حيث وصلت جثث الضحايا الخمسة عصرا. حزن جارف ودموع وذهول
أحاط لحظات الوداع التي جمعت طلاب وأساتذة الأكاديمية وأسر الضحايا، وروايات
عديدة تناقلها الحاضرون وشهود العيان الذين عادوا مع جثث الضحايا من بني سويف،
منها الناقد والأستاذ الجامعي الذي توسل لزميل آخر أن يذهب بدلا منه لحضور
العروض الأولي للمهرجان، كان يتوسل ويصر علي الذهاب تنفيذا لمشيئة القدر، كان
مقررا له أن يموت، ويحيا الآخر، حكاية أخري لناقد كبير كان يجلس في الصف الأول
مع لجنتي التحكيم والندوات، يدون ملاحظاته علي العرض، وفوجيء بحاجته لأوراق
أخري، استأذن زملاءه قبل مشهد الموت بنحو عشر دقائق، خرج من القاعة ثم أغلق
الأمن باب المسرح، كان في طريقه للعودة بعد دقيقة واحدة ومعه ورق جديد، لكنه
اكتشف أنه في حاجة أيضا لشراء علبة سجائر، هبط درجات السلم خارجا من قصر الثقافة
وعندما عاد بسجائره متوجها للمسرح كي يلحق المشاهد المتبقية من العرض فوجيء
بالنيران المشتعلة، كان آخر المغادرين والناجين من الموت داخل هذه المحرقة..
ضحايا الإهمال
التهمت محرقة بني سويف بهائي الميرغني ونزار سمك، اثنان من أكفأ القيادات
الواعدة لمسارح الثقافة الجماهيرية، جاء رحيلهما المأساوي في ظل حالة فراغ إداري
تنتظرها إدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية، عندما تخلو مقاعد القيادة بإحالة
الكفاءات التي خططت وأدارت مسارح الأقاليم للتقاعد خلال شهور قليلة..
أما نقاد المسرح الكبار الذين سقطوا داخل هذه المحرقة، فإنهم يمثلون كفاءات
وخبرات وقيمة فنية ومهنية كبيرة، أحمد عبدالحميد الناقد المسرحي لجريدة
الجمهورية، لا يوجد شبر فوق أرض مصر لم يذهب إليه لمشاهدة مسرحية للهواة،
ومتابعة أعمالهم بالنقد والتحليل والتوجيه. عاصر أجيالا متعددة من فناني هواة
المسارح طوال 50 عاما كان مهموما بكل ما يتعلق بفناني الأقاليم، لا يتأخر عن
تلبية الدعوة لمشاهدة عروضهم مهما كانت المسافات بعيدة، ووسائل الانتقال عسيرة..
الدكتور مدحت أبوبكر .. المسرح والصحافة الفنية احتل المرتبة الأولي في حياته.
بدأ يكتب بانتظام منذ أن كان معيدا في جامعة حلوان، كثيرا ما كان يفكر في
التضحية بالجامعة عندما تتعارض مع المسرح والصحافة، لكنه تحمل مشقة الجمع بين
التدريس والصحافة، أصبح أستاذا مهما في الجامعة، وناقدا صاحب قلم وأسلوب مميز
وشجاعة وجرأة في التعبير، لم يتحمل سنوات الغربة خارج مصر، رغم أنها لم تستغرق
سوي عامين، عمل خلالهما في وظيفة مرموقة بالكويت، عاد منذ أربعة شهور فقط، كان
أول قرار له إعادة جسور المشاركة في الندوات التي تقام لفناني الأقاليم، ذهب إلي
بني سويف علي أمل أن يعود لأسرته ونشاطه في القاهرة لكنه مثل باقي الضحايا.. لم
يعد..
الدكتور صالح سعد.. بدأ حياته العملية في الثقافة الجماهيرية، استكمل دراسته
العلمية للمسرح خارج مصر، عاد بعد حصوله علي الدكتوراة ليواصل رسالته الفنية مع
فرق الهواة، كان يحاول نقل خبراته العملية والعلمية للشباب الجدد من خلال تدريبهم
علي الأساليب الفنية الجديدة في مجالات حرفية فن الممثل والإخراج. عين أستاذا في
جامعة المنيا، وكان قبل ساعات من رحيله يتفق علي إنهاء الخطوات المطلوبة للتدريس
في جامعة حلوان، ظل طوال حياته العملية نموذجا للصدق والعطاء والإخلاص وعشق مسرح
الهواة الذي بدأ واختتم حياته بين جدرانه..
حازم شحاتة.. ناقد متخصص، كان رحمه الله يملك ثقافة فنية وعلمية ومنهجا
متميزا في التعليق والكتابة النقدية. يعرفه جيدا قراء المجلات والدوريات
المتخصصة، كان يضع ثقافته وخبرته في خدمة الهواة ومسرحهم، مشاركا في أغلب الندوات
المقامة في قصور وبيوت الثقافة بالمحافظات، مدافعا بقلمه عن هموم ومشاكل هؤلاء
الهواة..
جريدة العربي - مصر 11/9/2005
أعلا الصفحة
أهالى الضحايا يطالبون بمحاكمة المسئولين
محرقة المبدعين الغلابة
كم كان القدر قاسيا حين اختطف زهرات شبابنا وبناتنا من هواة المسرح فى مهرجان
نوادى المسرح الخامس عشر فى بنى سويف كم كان القدر قاسيا حين أحرق عمرنا مع
الدكاترة النقاد والمبدعين والفنانين والصحفيين الذين ساهموا طوال حياتهم بنقدهم
ومتابعتهم فى خلق حركة مسرحية للهواة الغلابة والمشاهدين الغلابة على امتداد أرض
مصر فى الكفور والنجوع والمراكز والقرى بعيدا عن الأضواء الزائفة فى القاهرة.
كم كان القدر قاسيا حين يضيف إلى كوارثنا كارثة فادحة لا يمكن تعويضها بأى ثمن،
كم كان القدر قاسيا على طلبة فى عمر الزهور فى الاكاديمية حين قال لهم: افيقوا..
الإنسان فى مصر لا يساوى شيئا أرخص من أى شيءعبرت عن ذلك طالبة بالمعهد حين صرخت
حرقتونا ببلاش.
هل نحن المصريين الغلابة والشرفاء على موعد مع القدر دائما لم ننس بعد كارثة
الباخرة سالم اكسبريس، لم ننس معها قصة كفاح الشباب والرجال الغلابة فى القرى
والذين غابوا عن أهلهم وتغربوا سنين طويلة من أجل المال لتحسين مستوى معيشتهم
وتوفير المستلزمات الضرورية لحياتهم وحياة أسرهم، كان ينتظرهم الأهل بالأحضان
والفرح للقاء قريب أو حبيب أو أخ أو زوج أو أب ولد ابنه وكبر ولم يره، بدلا من
استقبالهم بالزغاريد غرقت الباخرة وغرقت معهم أحلامهم البسيطة وغرقت معهم قلوب
أهلهم وتحولت الزغاريد إلى نواح.
لم ننس بعد محرقة قطار الصعيد، قطار الغلابة، قطار الدرجة الثالثة السبنسة فى
ليلة عيد احترق واحترقت معه أجساد أهالينا الغلابة.
لم تجف دموع الأسر بعد مع الضحايا المصريين الغلابة فى طابا وشرم الشيخ الذين
ذهبوا فى إجازة الصيف من أجل بضعة جنيهات لم يعد لها قيمة حتى يستطيعوا مع بداية
الدراسة توفير ما يحتاجونه من ملابس وكتب ومصاريف.
مازالت الأجهزة المسئولة تبحث عن جثث المفقودين والغارقين فى ترعة الإبراهيمية
بعد غرق الأتوبيس.
لم ننس المنكوبين بعد الغرق الجماعى فى جوف البحر للحالمين بالسفر إلى أوروبا من
الشباب العاطل.
القدر على موعد دائم مع الغلابة الذين يركبون قطار الدرجة الثالثة فى الحياة.
هل كان المبدعون من الفنانين الشرفاء ودكاترة اكاديمية الفنون الشرفاء الذين
أفنوا حياتهم من أجل تشجيع هواة المسرح ومن أجل تأصيل الهوية العربية والمصرية
يسافرون على حسابهم لكل مكان يدفعون من وقتهم ومالهم وجهدهم لتشجيع موهبة فى
اقليم فى أقاصى الصعيد وأقاصى الوجه البحرى موهبة تكتفى بكلمة إعجاب من هؤلاء
المبدعين موهبة تحلم بأن يراها ناقد أو كاتب أو صحفى فيكتب كلمة بسيطة عن
إبداعها.
هل كان هؤلاء المبدعون راكبى قطار الدرجة الثالثة لمسرح الأقاليم الذى أضاء
ليالى مصر المسرحية فى الثمانينيات فى الوقت الذى انحسر فيه دور مسرح الدولة
وتحول مسرح القطاع الخاص إلى كباريه سياحى للسياح القادرين على دفع 200 جنيه ثمن
التذكرة.
وقف هؤلاء الشرفاء إلى جانب مسرح الهواة فى الآقاليم، وفى القاهرة وتكونت خلال
هذه الفترة بتشجيع وإشراف المبدعين الشبان فرق الهواة والفرق الحرة والتى كانت
ومازالت متنفسا للهواة فى كل أرجاء مصر.
إن عشق هؤلاء للمسرح ساقهم إلى أقدارهم للموت حرقا على خشبة المسرح وفى قلب
المسرح، سبعون من خيرة شباب وهواة المسرح فى التمثيل والإخراج والموسيقى
والتأليف ودكاترة الأكاديمية فى الفنون المسرحية والصحفيين فى مهرجان نوادى
المسرح فى بنى سويف هل تعلمون يا سادة يا كرام يا مسئولون يا من تستغلون المصائب
فى الذهاب دائما بعد الكارثة للتصوير بجانب جثث الغلابة والإصرار على الإدعاء
أنكم قمتم بالواجب وزيادة، هل تعلمون أنه فى الوقت الذى تم الصرف ببذخ وسفه على
مهرجانات دولية تقام داخل مصر منها المسرح الراقص والمسرح التجريبى ملايين من
الجنيهات فى الوقت الذى لا توجد فى مسرح الأقاليم طفايات تتكلف بضعة جنيهات وفى
الوقت الذى نرى فيه كافة وسائل التأمين حين مرور مسئول أو فى مكتب مسئول، لا تجد
وسائل تأمين فى مهرجان يضم تجمعا بشريا، أبسط هذه الوسائل أن تكون هناك عربة
إسعاف وعربة مطافئ على باب هذا التجمع البشري.
هل تعلمون فى الوقت الذى تنفق فيه الملايين على تجديد مكاتب المسئولين فى هيئات
وزارة الثقافة يتم إعطاء كل فرقة من فرق الغلابة خمسمائة جنيه أو أكثر قليلا
للانتقال من بلادهم إلى مكان المهرجان وللصرف على الديكور وعلى كافة الأمور
الفنية يا بلاش وقد يقول البعض نعطيهم ألف جنيه إن هؤلاء يدفعون من جيوبهم من
أجل هوياتهم ولكن هذه المرة دفعوا حياتهم منهم بطل فرقة الفيوم وخطيبته كانا
يحلمان بالزفاف فزفتهم المحرقة فى قاعة المسرح ببنى سويف بلا أى وسائل تأمين
زفتهم المحرقة معا إلى السماء ومن لم يمت حرقا خرج بنسبة حروق بين 70 و 80 فى
المئة حالاتهم حرجة وتم توزيعهم على مستشفيات فى القاهرة بعدأن اكتشف المسئولون
كما يكتشفون فى كل كارثة أن المستشفيات العامة غير مؤهلة لمثل هذه الكوارث
والمصائب.
لقد اشتد الغضب بأهالى الضحايا وبطلبة اكاديمية الفنون وعبروا عن ذلك فى
الاعتصام الصامت أمام مسجد الحامدية الشاذلية، رافضين الدخول لتقبل العزاء
رافعين شعاراتهم حرقتوا أولادنا مطالبين محاكمة المسئولين المهملين الذين كان
اهمالهم سببا فى حرق أبنائهم وأخوانهم وآبائهم وبناتهم.
وبدأوا فى رفع مذكرة احتجاج إلى المسئولين مطالبين بالتحقيق فى هذه الكارثة
وأعدوا وثيقة سيتم تقديمها للنائب العام لفتح ملف التحقيق فى هذه الكارثة وأخذوا
توقيعات كل من يريد أن يتضامن معهم من الأدباء والفنانين والصحفيين والكتاب.
إننى أضم صوتى لصوتهم حتى لا تمر الكارثة بلا عقاب مثل كل الكوارث التى قيدت ضد
مجهول ويستمر هذا المجهول يخطف
زهرات عمرنا ليدفنها مع أحلامنا.
د. كريمة الحفناوي
أعلا الصفحة
حريق مركز ثقافة بني سويف شاهد علي تخلف أمة
متي نتخلص من ثقافة «القضاء والقدر» وندخل في ثقافة «بفعل فاعل»؟!
د. عصام الشماع
القاهرة
13/9/2005
* نحن نرفع شعار الجهل حتي الموت والإهمال حتي الفناء والفساد حتي نهلك جميعًا *
مات من مات في مسرح الصعيد وسنموت نحن بعد سنة أو بعد ساعة أو بعد كتابة هذا
المقال وسيعيش الجاهل والمهمل والفاسد
اشتعل الحريق قضاءً وقدرًا.. قفزت السيارة إلي النهر ومات من مات قضاءً وقدرًا..
اشتعل قطار الصعيد وقطار الدلتا وأي قطار قضاءً وقدرًا.. انتشرت الحمي الشوكية
قضاءً وقدرًا.. جاء الموت ليحصد المصابين بالبلهارسيا قضاءً وقدرًا.. السيارات
في الشوارع تبخ أكسيد الرصاص علي هيئة عادم يصيب الرئة بالسرطان قضاءً وقدرًا..
رجل (الطعمية ) العظيم ورجل ( أرغفة اللحم ) العظيم لديه أكثر من عشر اسطوانات
بوتاجاز قادرة علي إنتاج ضحايا أكثر من ضحايا الانتفاضة الفلسطينية قضاءً
وقدرًا.. لا أحد مسئول أو غير مسئول.. جنرال أو عسكري، وزير أو خفير يتكلم عن
سلامة البشر في أرض المحروسة قضاءً وقدرًا.. السلامة المهنية ووزارة البيئة
والطب الصناعي وأي أسماء نسمع عنها في حريق قش الأرز أو دفن النفايات الكيميائية
في مجري النهر أو أي مناسبة لموت بشر في حريق أو غرق أو وباء سرعان ما تختفي
قضاءً وقدرًا.. لا شيء يهم علي أرض المحروسة، الاقتصاد لا يهم، الصناعة لا تهم،
الانسان نفسه لا يهم.. ومن هو المسئول ومن هو الوزير ومن هو الجنرال ؟، إنه مصري
مثلنا، لا يري مثلنا، ولا يشم مثلنا، ولا يشعر مثلنا، ولا يهتم مثلنا.. المهم أن
يجلس علي كرسيه ويسافر مع الأولاد إلي الساحل الشمالي في الصيف، ويظهر أمام
كاميرات التليفزيون ببذته الأنيقة وذقنه الحليقة يقول كلامًا منمقا مرتبًا
مبررًا للأخطاء والخطايا، وتجلس زوجته أمام شاشة التليفزيون لتراه وعلي وجهها
ابتسامة عريضة، ابتسامة رضا عن القدر الذي جعلها زوجة مسئول برتبة ضيف
تليفزيوني، وضيف التليفزيون في بلاد المحروسة رتبة مثل الباشا والبك وصاحب
المعالي ولا يهم إذا كان وزيرًا أم خفيرًا.. ممثلا ًأم مهندسًا.. مثقفا أم جاهلا
ً، المهم أن كلامه رسميا وبذته رسمية وشعره وذقنه رسميتين، في بلاد المحروسة إذا
مات عزيز لنا قلنا " قضاء وقدر" وإذا اشتعل مسرح واحترق فيه فنانون
ومفكرون ومواطنون قلنا " قضاء وقدر" وإذا ماتت الدولة نفسها قلنا
أيضًا " قضاء وقدر".. ما أسعد المسئولين بثقافة شعب التواكل وإحالة
أوراق الحياة إلي المفتي وإلي القضاء والقدر، ما أسعد سائق النقل عندما يدخن
المخدرات ويبتلع البرشام ويسير علي الطريق السريع مطمئنا أن " المكتوب علي
الجبين لازم تشوفه العين " ويقفز بسيارته النقل إلي ترعة أو يدمر سيارة
أخري صغيرة ويسبب كارثة في الأنفس وفي الأموال، ما أسعد ضابط شرطة المرور حين
يري جثثا كثيرة علي طريق أسفلت مظلم ويري الشعب حوله ينقذ ما تبقي من أرواح أو
ينقل الجثث، يضربون كفا بكف ويسلمون أمرهم لله الذي شاءت مشيئته أن يموت هؤلاء
في هذه الساعة، ما أسعد كل الوزراء حينما مات المئات في قطار الصعيد وأهلهم
ينقلون جثث موتاهم ويقرءون عليهم آيات القرآن الكريم دون ضجر من سلطة أو نظام أو
حتي فهم معني مسئولية الدولة عن سلامة مواطنيها فنبدو كأننا كائنات ألقاها القدر
علي أرض المحروسة بلا حقوق وبلا هوية، ما أسعدنا جميعًا شعبًا ومسئولين بثقافة
الكوارث التي من صنع القدر دون أدني مسئولية منا، فالله يصنع في ملكه ما يشاء..
الله يشعل الحرائق وينشر الأوبئة ويجعل السيارات تصدم الناس في الشوارع ويرش
المبيدات علي الفاكهة ويسمم المواطنين، ما أسعدنا بهذه الثقافة وهذا الجنون وهذا
الخواء والجهل والفشل.. الله نور السموات والأرض لا يشعل الحرائق، إنما نحن
بجهلنا الفاعلون، الله البديع الخبير لا يقتل الناس بالفيروسات والبكتريا وإنما
نحن الفاعلون، الله العليم الحكيم لا يرمي النفايات الكيميائية في ماء النهر
لنهلك ونموت بل نحن الفاعلون.
متي نتخلص من ثقافة القضاء والقدر وندخل في ثقافة فعل الفاعل، إن الله خلق
القانون الحاكم للذرة والجبل والنهر والسحاب، القانون الحاكم للإليكترون
والبوزيترون والفراغ الذري، وعرض الأمانة فقبلها الانسان بالعلم والمسئولية، هو
الخالق ولسنا نحن الخالقين بل نحن المسئولين.. المسئولين بنعمة العقل التي ميزنا
بها.. العقل الذي عرف به آدم الأسماء كلها وعرف به القانون الذي أخرجه من
الظلمات إلي النور، من ظلمات الكهف إلي اكتشاف النار والنور والزراعة والري
والبخار والكهرباء والذرة وسفينة الفضاء، من ظلمات قانون الغابة إلي نور بناء
الدول وتعاليم الأديان.
ماذا حدث في مسرح بني سويف ؟.. إنه حادث يشهد علي ثقافة الجهل والإهمال وغياب
القوانين.. وأنا هنا أحاول أن أكف عن بكاء من ذهبوا ولي فيهم اخوة وأصدقاء ولي
معهم أحاديث لم تكتمل وذكريات تمتد مع بعضهم إلي عشرين عاما أو أكثر، ولكن علي
الآن أن أري المشهد من بعيد، المشهد الذي يتجاوز مسرح بني سويف ليشمل الجميع
فالجهل الآن يحكم قبضته ويحاصرنا من كل جانب ومن داخلنا أيضًا، كلنا الآن في
خطر.. ماذا حدث ؟ كما قال بعض شهود العيان وما قد يتصوره سيناريو مكرر يحدث علي
أرض المحروسة لكوارث سابقة، قالوا إن المسرح محكم ليس به إلا باب واحد صغير،
قالوا إن أجهزة تكييف الهواء عبثت بها يد القدم والإهمال، قالوا إن الديكور كان
عبارة عن أكياس أسمنت طليت ببعض الألوان القابلة للاشتعال، قالوا عن أن العرض
المسرحي كان به عدد كبير من الشموع المسببة للحريق، قالوا وقالوا وقالوا وأمر
وزير الثقافة بعد الكارثة بمنع أي مواد قابلة للاشتعال في كل مسارح الدولة ثم
بدأ مشهد تأبين المسئولين للضحايا وصرف إعانات ومعاشات وبدل حياة وبدل كوارث
وأشياء اعتدناها في مثل هذه الحالات، ولكن دعونا نتأمل المشهد بمنظور أكثر
عمومية لننظر حولنا جميعًا ونمعن النظر قليلا ً، سنجد أنفسنا في مكان خطر مثل
مسرح الصعيد، سنجد أننا نهمل كل شيء حولنا.. جهاز التكييف وجهاز التليفزيون
وأسطوانة البوتاجاز، إننا نركب حافلات تسمي " الميكروباص " انتهي
عمرها الافتراضي وكذلك حافلات الحكومة، ونركب " أسانسيرات " في حالة
عدم صيانة دائمة ونذهب لمسارح ودور عرض سينمائية ليست أسعد حالا ًمن مسرح
الصعيد، وقد نجد وزارة الثقافة التابع لها المسرح المحترق ينقصها الكثير من
ضوابط الأمن والسلامة، ويمكن جدًا أن نجد مكتب الوزير نفسه رغم الشياكة والأناقة
يفتقد لمعايير الأمن... إنها ثقافتنا، أمنا وأبونا، هكذا نشأنا مهملين لا نهتم
بأي شأن عام، إننا ندخن حتي الموت بالسرطان أو بالاحتراق، إننا نقود السيارات
بسرعة حتي التأبين في سرادقات التعزية، إن ضباط وجنود المرور في شوارعنا يحبون
خروج عادم أكسيد الرصاص من " شكمانات " السيارات المتهالكة ويدمنون
استنشاقه أما إذا ارتكبت مخالفة أخري فهم يكرهونك جدًا ويعاقبونك جدًا، إنهم
يحبون أكسيد الرصاص الذي يملأ صدورهم وصدورنا بالالتهابات والتقرحات والتليف
ويكرهون الركن في الممنوع، وعندما يخرج مواطن المحروسة إلي رحلاته النيلية في شم
النسيم وتشاهده راكبًا مع آلاف الزوارق النيلية ترفع عقيرتك إلي السماء وتدعو
لهم بالبقاء أحياء وكأنهم خرجوا للحرب وليس للفسحة.
إنها ثقافتنا، أمنا وأبونا، ثقافة السير في الممنوع وشجار الشوارع والبصق في
الطريق والتشويش علي الرادار في الطرق السريعة وإلقاء بقايا السجائر التي تحرق (
روما ) نفسها، فنحن نرفع شعار الجهل حتي الموت والإهمال حتي الفناء والفساد حتي
نهلك جميعًا.
رحم الله الضحايا ورحم الله الأحياء، رحم الله من عرفتهم من الراحلين ومن لم
أعرفهم، أعزي أسر الراحلين وأصدقاءهم ومثقفي هذا الوطن وهذا الزمان المنكوبين في
زملائهم وفي زمن الجهل والفساد، وأعزي نفسي في الدكتور مدحت أبو بكر والأستاذ
نزار سمك صديقيا اللذين اعتصرا قلبي ألمًا واعتصرا عيني بكاءً ولي معهما
ولأيامنا معًا قول أرجو أن يجعلني الله قادرًا علي إنجازه لأنهما ولأنني لسنا من
نجوم هذا الزمان ولكننا وغيرنا من الصارخين بالثفاقة في البرية، لا أحد سيرثينا
إلا من عرفونا فعلينا أن نرثي أنفسنا وأيامنا ووطننا وزماننا عسي أن يتعثر أحدهم
في المستقبل بأوراقنا أو بشواهد قبورنا.
تراجيديا مسرح بني سويف
فاروق حسني أحال المسئولين عن الكارثة إلي التحقيق
السيناريو الأسود لأسوأ ليالي المسرح المصري
شموع مشهد النهاية ليست المتهم الوحيد في الحادث
36 قتيلا و28 مصابا 60% منهم حالتهم خطيرة
مصيلحي وأبو بكر وشحاتة وعبدالحميد وسمك والميرغني بين الضحايا
وكأنما كان مخرج العرض يتوقع ما حدث بعد ذلك وكأنه كان يعد العدة لتتم مراسم
حفلة الموت الجماعي التي راح ضحيتها جيل كامل من كتاب ونقاد وفناني المسرح
المصري.
جو جنائزي رهيب خلقه المخرج قبل أن يبدأ العرض لقد قام مخرج «من منا.. حديقة
حيوان» للكاتب العالمي إدوارد إلبي الذي قدمته فرقة نادي مسرح الفيوم والذي شهد
المأساة بخلق جو جنائزي بداية من إصراره علي إقامة العرض في قاعة الفن التشكيلي
غير الملائمة لتقديم عرضه عليها.. من حيث هي قاعة صماء بلا نوافذ أو منافذ اللهم
إلا بابا وحيدا.. وحتي هذا الأخير أغلقه المخرج ليستغله في الديكور الذي جاء علي
شكل مغارة مضاءة بالشموع.. وفي نهاية العرض يقتل أحد الممثلين زميله ويقوم بسحبه
علي أرض المسرح وهو جثة هامدة لتسقط شمعة في خلفية المسرح ليفاجأ الجمهور بعد
لحظات باشتعال النيران في الديكور المصنوع من الورق المرشوش بالاسبراي القابل
للاشتعال لتبدأ المأساة.
كان مهرجان أندية المسرح الخامس عشر قد بدأ السبت قبل الماضي.. ولم تكن البداية
تنذر بالنهاية المأساوية للمهرجان الذي شهد وقوع أسوأ كارثة في تاريخ المسرح
المصري.. كان مشهد النهاية في مسرحية «من منا حديقة حيوان» لفرقة نادي مسرح
الفيوم.. يقتضي إشعال بعض الشموع.. التي تسببت ـ عن دون قصد ـ في تحويل قاعة
العرض إلي مأساة موجعة.
أقيم العرض في قاعة صغيرة مخصصة لمعارض الفنون التشكيلية لا تتسع لأكثر من 70
شخصا. ولكن لأن العرض يخص فرقة نادي مسرح الفيوم التي حصدت العديد من الجوائز
المسرحية حرصت أغلب الفرق المشاركة علي مشاهدة العرض فامتلأت القاعة بضعف
طاقتها.. وضمت فيما ضمت معظم المشاركين في المهرجان من فرق مسرحية ونقاد وأعضاء
لجنة التحكيم وجماهير بني سويف المحرومة من أي نشاط ثقافي وتزايدت أعداد
الموجودين حتي بلغت أكثر من 150 كانوا علي موعد مع القدر. استخدم المخرج كل
مفردات القاعة الصغيرة كديكور للعرض بل استخدم القاعة والجمهور الذي صار جزءا من
الحالة المسرحية.. وبسبب هذا الزحام الشديد قام مسئول الأمن بالقصر بإغلاق باب
القاعة من الخارج حتي يمنع دخول المزيد من الجمهور ثم اختفي ليترك 150 شخصا
يواجهون الموت بعد أن اشتعلت النيران قرب مشهد النهاية.. ولأن معظم النار من
مستصغر الشرر كانت الشمعة هي البداية وظن الجمهور أن اشتعالها جزء من العرض فلم
تثر ريبتهم وظلوا في أماكنهم ساعد علي زيادة انتشارها ديكورات المسرحية التي
اعتمدت علي الأكياس الورقية ونشارة الخشب والأقمشة الصناعية التي جعلت النيران
تشتعل بسرعة رهيبة ساعد علي سرعة اشتعالها الزحام الشديد والأبواب المغلقة
ولوحات الفنون التشكيلية الزيتية التي ساعدت علي زياة اللهب وهكذا بدأت النيران
من خشبة المسرح ثم امتدت بسرعة رهيبة يسايدها ارتباك الزحام الشديد وانفجار
أجهزة التكييف وتسرب غاز الفريون الذي أحال المكان الضيق المكتظ جحيما.. لم يفر
منه أحد وضاع الكثيرون فريسة للدخان والنيران، ورغم إبلاغ المطافئ بموعد العرض
والمهرجان. إلا أنهم لم يأخذوا للأمر جديته واستعداداته وتعاملوا معه بروتينية
لا تليق به.. كما كان المسرح خاليا من طفايات الحريق اللهم إلا من خمس طفايات
وصل إليها الجمهور بعد أن اشتعلت النيران في الأجساد المتراصة ومنعهم الباب
الموصد من الهرب من قدرهم.
ساعة من جهنم عاشها قصر ثقافة بني سويف حتي وصلت سيارات الإطفاء وأخمدت الحريق..
ولكن كانت النتيجة أن فقد المسرح المصري جيلا كاملا من الكتاب والنقاد والممثلين
التهمتهم النيران وتفحمت جثثهم وبلغت الخسائر 36 قتيلا و28 مصابا 60% منهم
حالتهم خطيرة.
وقعت الحادثة مساء الاثنين وصباح الثلاثاء أجري الرئيس مبارك اتصالا هاتفيا
استمر نحو 20 دقيقة مع أنس جعفر محافظ بني سويف للاطمئنان علي الموقف، كما أمر
بنقل الحالات الحرجة إلي مستشفات القاهرة وتجنيد كل أجهزة الدولة المعنية.
وقرر فاروق حسني وزير الثقافة صرف عشرة آلاف جنيه إعانة عاجلة لأسرة كل متوفي و5
آلاف جنيه لكل مصاب في الحادث من صندوق التنمية الثقافية. كما قرر إحالة
المسئولين عن قصر ثقافة بني سويف والمهرجان إلي التحقيق.
كما قررت أمينة الجندي وزيرة الشئون الاجتماعية صرف إعانة عاجلة قدرها 5 آلاف
جنيه لأسرة كل متوفي و3 آلاف جنيه لكل مصاب.
كما قرر المستشار محمد صفوت المحامي العام لنيابات بني سويف انتداب خبراء المعمل
الجنائي لتقديم تقرير عاجل عن أسباب الحادث.
كما قرر الفنان يوسف شعبان صرف معاش استثنائي للراحلين من أعضاء نقابة المهن
التمثيلية وأوقفت مسارح البيت الفني للمسرح نشاطها لمدة ثلاثة أيام.
كما قرر مصطفي علوي رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة إلغاء المهرجان وإعلان
الحداد لمدة ثلاثة أيام علي ضحايا الحادث المشئوم.
* شهداء الفن
استشهد جميع أعضاء لجنة تحكيم المهرجان وبعض الفنانين المشاركين في المهرجان
وهم: د.محمد مصيلحي، ود. مدحت أبو بكر، أحمد عبدالحميد، مؤمن عبده، بهاء
الميرغني، نزار سمك، حازم شحاتة، عبدالناصر حنفي، حسن عبده، د. صالح سعد.
ومن طلبة أكاديمية الفنون شادي الوسيمي، محمد شوقي، محمد إبراهيم، مصطفي حافظ.
(تعليق من المسرح دوت كوم) خطأ غير عادي وقع فيه محرر الخبر ، فالزميل والصديق
عبد الناصر حنفي حي يرزق أطال الله في عمره، ومحمد مصيلحي هو الدكتور محسن مصيلحي رحمه الله.
من المسئول
عن حادث بنى سويف يا وزير الثقافة؟!
بعد الحادث البشع والمروع الذى وقع مساء الاثنين الماضى فى قصر ثقافة بنى سويف،
تقدم ما يزيد على 50 فنانا وكاتبا ومثقفا ببلاغ إلى النائب العام المستشار ماهر
عبد الواحد، يتهمون فيه وزيرى الثقافة فاروق حسني، والداخلية حبيب العادلي،
ومحافظ بنى سويف بصفتهم، لمسئوليتهم بشكل مباشر عن حدوث هذه الكارثة التى راح
ضحيتها ما يزيد على 32 طالبا وفنانا وصحافيا ومثقفا، وإصابة ما يقرب من 45 آخرين
بحروق خطيرة.
تصدر الفنانون الذين تقدموا بالبلاغ للنائب العام المخرج الفنان يوسف شاهين،
والكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، والشاعر أحمد فؤاد نجم، والشاعر سيد حجاب
والكاتب محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب، وآخرون.
البلاغ ألقى بالمسئولية على وزارتى الثقافة والداخلية ومحافظ بنى سويف، بسبب
الإهمال والتسيب، ما أدى إلى وقوع الكارثة، فضلا عن ترك الجثث والمصابين لأكثر
من خمس ساعات فى موقع الحادث لتحرك الأجهزة المعنية، مع التأكيد والتحذير بخطورة
وقوع مثلها فى العديد من مسارح قصور الثقافة فى المحافظات المختلفة التى تعانى
جميعها من فقر شديد فى البناء والموارد، مثلما كان الحال فى قصر ثقافة بنى سويف
الذى تم الاعتماد فى بنائه على الخشب والفوم والموكيت غير المعالج كيميائيا سريع
الاشتعال، والمكان غير المطابق لمواصفات مسرح حقيقي.. فكانت الكارثة وكان تفحم
جثث الضحايا، وربما كوارث أخرى فيما بعد!!
فما حدث فى قصر ثقافة بنى سويف كارثة حقيقية بل ومروعة، راح ضحيتها ما يزيد على
32 طالبا من زهور عشاق المسرح، وكاتبا ومثقفا وفنانا، كشفت عما يحدث داخل وزارة
الثقافة من تسيب وإهمال، وليس فى وزارة الثقافة وحدها بل فى كل الأجهزة
والوزارات المعنية بما فيها وزارة الداخلية ومحافظة بنى سويف.
ما حدث فضح وهم ما يسمى بهيئة قصور الثقافة التى حاول وزير الثقافة إيهام الجميع
على مدى ما يقرب من 15 عاما أنها موجودة ومؤثرة وفعالة فى الحياة الثقافية
والفنية فى مصر.
فضح الحادث ذلك الوهم الكبير، الذى تخفى لسنوات طويلة تحت دعاوى ثقافية لم يكن
لها وجود عشرات الملايين من الجنيهات تنفق كل عام على مهرجانات وكرنفالات
الوزير، لم تفلح طوال 15 عاما أن تحرك المياه الثقافية الراكدة فى كافة المجالات
والأنشطة الثقافية التابعة للوزارة، وظل الوضع مؤسفا على ماهو عليه!!
فقد ضاعت السينما، وتم اختصارها فى أعمال المركز القومى للسينما، وإقامة مهرجان
القاهرة القومى للسينما، والإشراف على استحياء على مهرجان القاهرة السينمائى
الدولي، وضاع المسرح وتحول إلى بعض العروض الراقصة من إبداع فتى الوزارة المدلل
وليد عوني، وتقديمها فى المهرجان التجريبي، الذى يقام خصيصا لذلك، وضاعت كل
مسارح القاهرة وتخصصاتها المختلفة، وأصبح المسرح قائما على بعض الجهود الفردية
لبعض المسرحيين الذين مازال لديهم ولاء للمسرح نفسه، كما تم اختصار كل حركات
التأليف والترجمة ونشر الكتب فى مشروع القراءة للجميع وطبعا جميعنا يعرف سر
استمرار المشروع، بينما تئن قصور الثقافة على مستوى الجمهورية من الإهمال
والضياع والتقشف!!
هذا هو الدور الذى لعبته وزارة الثقافة على مدى ما يقرب من 20 عاما، لدرجة أنه
لم يعد هناك من يعرف ماهو دور وزارة الثقافة الحقيقي، وما الذى يتبعها وما
لايتبعها من الفنون والثقافة فى مصر، وما هو الدور المنوط بها.
الكارثة خطيرة جدا.. ومن المرجح حدوثها مرات ومرات، ونحن بدورنا نضم أصواتنا
لأصوات الفنانين والمثقفين والكتاب الذين تقدموا ببلاغ للنائب العام ضد من
تسببوا فى هذه الكارثة، وكوارث أخرى من المتوقع حدوثها، بينما لم يهتز لهم جفن،
نضم صوتنا، ونطالب كل المثقفين والفنانين والكتاب والمفكرين والغيورين على
الثقافة المصرية، بإعلان تضامنهم فى مواجهة هذه الكوارث، ومواجهة المسئولين
عنها، بل وفتح ملفات كارثة الثقافة المصرية على كافة الأصعدة.
ملايين الرئاسة وأمانة فاروق حسني
جمال الغيطاني
أخبار الأدب - مصر- 18/9/2005
من الطبيعي أن تنتهي ولاية هذا الوزير بكارثة فادحة لم تعرف مصر لها مثيلا، هذه
المحرقة التي تعد نتيجة سياسة فاسدة وإدارة أشد فسادا، المثير انه يتكشف كل يوم
جديد يذهلنا، في الأسبوع الماضي حاول الوزير الفنان الزج باسم رئيس الدولة في
حملته الاعلامية المحمومة لالقاء المسئولية علي شمعة أو صغار الموظفين والتي
تخللها طيشه المعهود بالتهجم علي كبار مبدعي مصر في حديثه إلي مجلة روزاليوسف،
تصريحات الوزير الأقوي نفوذا في الصحافة المصرية عادت بذاكرتي إلي الوراء ربع
قرن، رأيت فاروق حسني لأول مرة في روما عام ثمانين، كان وكيلا للأكاديمية، وكنت
بصحبة الدكتور لويس عوض، دعانا لزيارة الأكاديمية، وعرض علينا أن يطلعنا علي بعض
لوحاته. وزيادة في الاهتمام قرر أن يقوم بعرض حي. أي يرسم لوحة أمامنا. امسك
بعلب تشبه علب الدهان، تتكون من ألوان مختلفة وراح يدلقها من اتجاهات مختلفة،
وأثناء ذلك يقوم ويقعد ويتراجع متأملا بينما يتداخل الأزرق مع الأحمر والأصفر
فتتكون تلك الاشكال التي تكٌون لوحاته، خلال عشر دقائق رسم لوحتين. ولم يكن هذا
العرض قد خصنا به وحدنا. إنما كان يقوم باستضافة بعض صغار الصحفيين علي أمل نشر مجرد
خبر صغير عنه أو عن أنشطته كموظف. أحتفظ في ذكراتي بتفاصيل عديدة عن انطباعاتي
عنه سواء في روما أو ماتلي ذلك، والحق انها ليست كلها سلبية، فهو علي المستوي
الشخصي خدوم. لايدخر جهدا في مصاحبة الصحفيين وتعريفهم بالمدينة ومساعدتهم في
شراء حاجاتهم. فما البال إذا كان الأمر يتعلق بمسئول كبير صاحب نفوذ قادم من
القاهرة، إنه يجيد الشرح، وإبهار من ليس لديهم فكرة عميقة عن الثقافة، ما يعنيني
هو علاقته بالصحافة فهذا الموظف والفنان محدود القيمة، كان قبل توليه الوزارة
يسعي إلي مجرد نشر خبر صغير في أي صحيفة، بعد توليه الوزارة، واستمراره فيها،
واستشراء نفوذه أصبح أقوي الوزراء نفوذا في الصحف، جميع الصحف بكل أطيافها،
قومية ومعارضة ومستقلة، لا أبالغ إذا قلت انه يمكن انتقاد رئيس الدولة ومن
المستحيل انتقاد فاروق حسني.
الأسبوع الماضي في ذروة ردود الفعل العنيفة التي توالت بعد المحرقة التي التهمت
زهرة المبدعين المسرحيين في حادث مأساوي لو أنه جري في أي بلد يعرف أوضاع
المسئولية والمحاسبة لتسبب في إقالة حكومة كاملة وليس وزيرا فقط، بدأ الوزير
المتمرس في حملة إعلامية مضادة محاورها عديدة، وقد أشار الزملاء عزت القمحاوي
ومجدي مهنا إلي بعض أفكاره وخططه، ولكن أخطر ما أقدم عليه نشر خبر في الصفحة
الأولي للصحف القومية نصه ان الرئيس مبارك قرر تخصيص مليونين من الجنيهات من
ميزانية الرئاسة لإعادة صياغة الأكاديمية المصرية في روما. والخبر منسوب طبعا
إلي الوزير، الخبر قديم ومعروف، لكن نشره في هذا التوقيت يعني التلويح بمساندة
الرئيس لوزير متهم بالتسبب في محرقة بني سويف بوصفه المسئول الأول عن سياسة
ثقافية فاسدة أدت إلي تدهور أوضاع الثقافة المصرية، وإلي تدهور أجهزتها، وكما
نعرف فالفساد يبدأ معنويا ثم يتحول مع استشراء كيانه المادي الي كوارث مادية مثل
احتراق المسافرخانة واحتراق باب العزب، والسقوط المريب لكتف أبوالهول في بداية
عهده الذي مهد لإقالة المرحوم أحمد قدري، إن نشر الخبر في هذا التوقيت يسيء الي
رئيس الدولة، فالوزير تقع عليه مسئولية سياسية بالدرجة الأولي عن المحرقة، من
ناحية أخري يجب مساءلة الوزيرعن مصير الملايين التي يخصصها الرئيس للثقافة
المصرية في مبادرة غير مسبوقة ولكن الوزير لايتصرف فيها بأمانة، ويوجهها إلي
خدمة أغراض بعيدة تماما عن الهدف الذي قرر الرئيس منحها من ميزانية الرئاسة
لأجله، أضرب مثلا بالملايين العشرة التي قررها الرئيس للمشروع القومي للترجمة أثناء
زيارته معرض القاهرة الدولي للكتاب، لقد أعجب الرئيس بعناوين الكتب الصادرة في
المشروع، وهو المشروع الايجابي الوحيد في الثقافة المصرية ويرجع الفضل الأول
والأخير فيه للدكتور جابر عصفور، هذا المشروع محل الإجماع يعاني عثرات مالية
جسيمة منذ أن بدأ، ولايحظي بالسخاء الإنفاقي الذي تحظي به مهرجانات الوزير
الضوضائية والتي نعارضها بقوة منذ سنوات طويلة، وعندما قرر الرئيس تخصيص
الملايين العشرة للمشروع. كان يقررها نتيجة ما رآه، وما رآه هو الكتب المترجمة
من اللغات الأجنبية إلي العربية، وهذا بالضبط ما تحتاج إليه الثقافة المصرية
الآن، وهذا ما خصص الرئيس من أجله الملايين العشرة، لقد سعدنا بالقرار وأشدنا به
في حينه، ولكن مضت الشهور ولم يظهر أثر للملايين العشرة، بل علمت أن الظروف
المادية للمشروع القومي للترجمة الآن أسوأ من أي وقت مضي، إذن، ما مصير الملايين
العشرة؟ لقد تأكدت أن الملايين خرجت من ميزانية الرئاسة بالفعل، ولكن لم يتم
توجيهها إلي الهدف الذي قصده الرئيس مبارك طبقا لما عاينه ورآه من كتب المشروع،
ماذا جري إذن؟
لقد قام الوزير بتوجيه الملايين العشرة لدعم ترجمة بعض المؤلفات التي يختارها
سيادته من مؤلفات الذين يرضي عنهم أو تهمه لسبب أو لآخر إلي اللغات الأجنبية
وخاصة الفرنسية، وتمت اتصالات فعلا ببعض دور النشر خاصة في فرنسا، لدعم ترجمات
تختارها وزارة الثقافة بمعرفتها، وهنا تفاصيل أرجيء الكشف عنها لكن ما يعنيني أن
الرئيس لم يخصص المبلغ لمثل هذا الهدف، خاصة أن الترجمة من العربية إلي اللغات
الاخري موضوع شديد التعقيد، وهناك دول عربية ثرية جدا، أغني من وزارة الثقافة
المصرية فشلت فيما يسعي إليه وزير الثقافة، إنني أطالب بتوجيه الملايين العشرة
إلي المشروع القومي الذي يصدر عن المجلس الأعلي للثقافة كما قرر السيد الرئيس،
ومن قبل ومن بعد أطالب هذا الوزير أن يكون أمينا مع رئيس الدولة، وأن ينفذ
قرارات الرئيس كما صدرت، وأن يكف عن محاولاته الايحاء بأنه مسنود، لأنه يسيء إلي
الدولة وإلي النظام كله.
أعلا الصفحة
هيئة قصور الثقافة في مصر بعد حريق بني سويف:
جمال الغيطاني: ثقافة الاستعراض سبب النكسة
عز الدين نجيب: الهيئة احترقت منذ زمن طويل
القدس العربي - محمود قرني
القاهرة ـ القدس العربي لم تكن المحرقة التي أودت بحياة سبعة وأربعين فناناً
ومبدعا علي مسرح قصر ثقافة بني سويف في الخامس من ايلول (سبتمبر) الماضي هي
الدليل الوحيد علي سوء الأحوال في كل هيئاتنا ومؤسساتنا وان ظلت هي الدليل
الدامغ علي هذا السوء.
والموضوع برمته استدعي ـ أو هكذا يجب ـ ملف هيئة قصور الثقافة كلية، حيث تبدو
الهيئة فيلا ضخما لكنه غير قادر علي الحراك.
فقد انتهت السياسات الحكومية ذات المرجعية البيروقراطية الي أن أربعمئة وخمسين
قصرا للثقافة يجب عليهم أن يعملوا في اطار خدمة هدف واحد هو بقاء الحال علي ما
هو عليه دون أدني تطوير. وفي علم السياسة فان ما لا يتطور يتآكل، وهو ما حدث
بالفعل في الهيئة. حيث سيطرت البيروقراطية وأصبح دور الموظف الصغير الذي يرزح
تحت أرتال من القوانين واللوائح هو صاحب الدور الحقيقي وتوارت الأدوار التي كان
علي المثقف لعبها في داخل هذه القصور. بالاضافة الي ذلك وفي ظل ترهل
البيروقراطية فقد بات دور الأمن أعلي وأظهر وأكثر خشونة مما هو متصور، وباتت
ملفات كثيرة في جعبته، فهو الذي يحدد شكل عضوية نادي الأدب وأعضاء مجلس ادارته
وان لم يكن بشكل مباشر، وكذلك يبدو دوره عبر كبار الموظفين الذين يتحركون ـ علي
الأغلب ـ من وحي التوجيهات الأمنية.
وقد كان انشاء وزارة الثقافة في العام 1958 هو الخطوة الأولي التي أرادت بها
ثورة يوليو أن تحدد شكل الخطاب المعرفي الذي يجب ان تتمحور حوله ارادة الأمة بعد
حقبة طويلة من الصراع السياسي الذي فشلت كل القوي العاملة في حسمه، بما في ذلك
حزب الأغلبية الذي كان وقتذاك هو حزب الوفد. وقد كانت هيئة الثقافة الجماهيرية
وكان هذا هو اسمها قبل تغييره الي هيئة قصور الثقافة، وهو الاسم الذي رفضه كل
المثقفين، كانت الهيئة هي الاسم الحركي لمشروع طمع القائمون عليه في أن يتجه الي
جماهير المصريين في كافة القري والنجوع عبر خطاب موجه يعيد الاعتبار للعامل
والفلاح والفقراء بصفة عامة ليؤكد علي ان الطبقة الوسطي هي التي تقود عملية
التغيير الاجتماعي، وأن هؤلاء الذين يحكمون مؤهلين فقط لاعادة الاعتبار لمشروع
العدالة الاجتماعية، لذلك نشأت فكرة القوافل الثقافية داخل الهيئة، وأن الجزء
الأهم في عمل هذه القوافل - كما يشير أحمد عبد الرازق أبو العلا في حديثه لنا،
هو ايصال الثقافة بتنوعاتها الي كافة القري والنجوع في أصقاع الريف المصري.
وكان ثمة قوام أكيد للحفاظ علي تمايزات الثقافة الشعبية الي جانب الخطاب الثقافي
العام والنخبوي أيضاً، لذلك فقد اهتمت الهيئة بادارات ذات طبيعة خاصة مثل ادارة
الفنون الشعبية وادارة المسرح والسينما، والحرف التقليدية بكافة أنواعها التي
كان يدخل ضمنها الفن التشكيلي.
تبدلت الأحوال مع تبدل الخطاب السياسي ومن ثم الخطاب الاجتماعي ومع صدور قانون
استثمار رأس المال العربي والأجنبي عام 1974 انتقلت البلاد الي ما يسمي بمرحلة
الانفتاح الاقتصادي التي غيرت كلية من موازين القوي الاجتماعية، ونجح السادات في
ان يدق اول مسمار في نعش الطبقة المتوسطة لتدين البلاد لطبقة اخري هي التي نجحت
ـ بطبيعة الحال ـ في فرض آلياتها وخطبها علي كل المستويات بما في ذلك الفنون،
وقد وصل هذا الطريق الي منتهاه في لحظتنا الراهنة، بعد أن انطلقت عجلة تقليص دور
الدولة عبر تقليص تواجدها في وسائل الانتاج، ومن ثم بدت حركة الخصخصة الواسعة
للقطاع العام منذ بداية التسعينيات. ورغم النتائج المؤسفة التي انتهي اليها
التوجه الحر للدولة الا أن الطريق ماضية الي منتهاها بعد أن صعدت الي السطح قوة
المال والسلطة متجسدة في الرأسماليين الجدد المدعومين بنفوذ نجل رئيس الجمهورية
علي أوسع واعلي المستويات، لذلك كان من الطبيعي أن يطرح السؤال: هل هيئة قصور
الثقافة أصبحت قابلة للبيع هي الأخري، ولماذا هذا الاهمال وتردي الأداء الذي
وصلت اليه هذه الهيئة العملاقة، وهل كان تولي رجال جمال مبارك رئاستها بداية من
أنس الفقي مرورا بمصطفي علوي ايذانا بالتمهيد للبيع، أم أن المسألة فقط كانت
تنحصر في تحويل الهيئة الي أحد ابواق الدعاية لجيل المستقبل أو الليبراليين
الجدد ـ كما يطلقون علي انفسهم ـ والذين يتزعمهم جمال مبارك؟ هذه أسئلة مشروعة
ربما لا تجيب عليها كل هذه القراءة، لكن ثمة مشكلة حقيقية تواجه ثقافتنا متمثلة
في هيئة قصور الثقافة حسبما يشخصها عالمون ببواطن الأمور من المشتغلين بالثقافة
ومن الذين عملوا ردحا طويلا من الزمن في هذه الهيئة.
وقد لفتني ما قاله الكاتب الروائي جمال الغيطاني حول ثقافة الاستعراض بأسبوعية
اخبار الأدب الصادرة في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الماضي حيث يري ان ظاهرة
المهرجانات غير المدروسة أفسدت كل شيء، لأنها لا تعبر الا عن ثقافة استعراضية
فاقدة لمضامينها. ويقول ان فلسفة الاستعراض أوجدت مهرجانا سنويا للمسرح التجريبي
يستقبل أعدادا هائلة من الهواة من مختلف دول العالم بميزانية تساوي ميزانية كل
مسارح الثقافة الجماهيرية طوال العام ليموت المسرح المصري فقرا واهمالاً، ويضيف
الغيطاني أن ثقافة الاستعراض فشلت في تحقيق الحد الأدني من الكفاءة للمسارح
العائمة، حتي خشبات القاهرة العريقة التي أصابها بؤس الاهمال، فما البال بخشبات
وقاعات سينما هيئة قصور الثقافة، تلك البنية الأساسية الجبارة التي طالما نادينا
بعودتها الي الحياة لتوفر المسرحية والفيلم نوعا مهما من المنافذ، بدلا من
اقتصار الفنين علي القاهرة.
اما الدكتور محمد بدوي فيري أن هيئة قصور الثقافة هي أحد أجهزة وزارة الثقافة
وقد أنشأتها الدولة بعد ثورة يوليو لتكون احدي ادواتها في نشر الثقافة في الريف
والمدن الصغيرة، وفي القاهرة طبعا.
كانت حكومة عبد الناصر تدرك أهمية سيطرة الدولة علي الشأن الثقافي، فاكثرت من
الهيئات الراعية للمثقفين، وبرغم الدور الأيديولوجي الذي لعبته الهيئة في فترات
كثيرة الا أنها في لحظات ازدهارها كانت متنفس كثير من الأدباء والفنانين الذين
يعيشون خارج القاهرة، شباب صغار السن يجيدون الفن والأدب ويحتاجون الي من يرعاهم
ويسهل لهم الحصول علي الكتب والمسارح الصغيرة، ودور السينما وعلي مدي سنوات طوال
قامت هيئة قصور الثقافة بهذا الدور. صحيح أنها استخدمت في سنوات الناصرية كأداة
للتجسس الفكري، لكنها في احيان كثيرة كانت جامعة شعبية للشباب وبخاصة خارج
القاهرة، بفضل جهود مثقفين كبار عملوا فيها وبذلوا جهودا جبارة مثل سعد الدين
وهبة وزكريا الحجاوي وسعد الخادم وحسين مهران، وأذكر ان يحيي الطاهر عبد الله
وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل بدأوا نشاطهم الأدبي في مدينة قنا في هذه
الهيئة، أذكر ايضا أن كثيرين من نجوم ما نسميه الآن بجيل السبعينات من الأدباء
والكتاب والفنانين قامت قصور ثقافة الهيئة معهم بهذا الدور.
ويضيف محمد بدوي: الهيئة مع مرور الأيام تكدست بالموظفين البيروقراطيين وانحصر
نشاطها في بضعة امور وحين كان علي الدولة المصرية أن تبحث لها عن قيادة جديدة
تستطيع ضخ دم جديد فيها فعلت عكس ذلك. لقد تنبه البعض الي ان الهيئة تملك عددا
كبيرا من قصور الثقافة منتشرة في المدن الصغيرة والقري والنجوع، وأن هذا
الانتشار في جسم المجتمع يجعلها صالحة لبث الدعاية السياسية، فكان ان عين
الدكتور مصطفي علوي رئيساً لها، وعلي مدي عامين أكمل ما كان قد بدأه زميل له من
لجنة السياسات هو أنس الفقي، فتحولت قصور الثقافة من مواطن للاشعاع الفني
والثقافي الي مراكز للبث السياسي والتجييش الفكري وربما التجنيد، ببساطة تحولت
كل امكانات الهيئة الي جنود تقاتل من أجل نشر الفكر الاصلاحي للجنة السياسات.
أما أحد أهم الذين عملوا في هيئة قصور الثقافة الفنان عز الدين نجيب فقد كتب
بحثا مطولا نشرته جريدة القاهرة وأحالنا اليه ويشير فيه بداية الي أن حالة
الانهيار التي حلت بالثقافة الجماهيرية تبدأ من البنية الأساسية لمبني القصور
التي بات الكثير منها أقرب الي التصدع، من انعدام الصيانة واستمرار الاهمال
وانقضاء الحد الأدني من الخدمات والنظافة، والأمن والتطوير اللائق باستقبال الجمهور
وتنتهي بالفطيعة شبه الكاملة بينها وبين المواطنين في مواقعها الجغرافية، فينتفي
بذلك الهدف من وجودها، ويصبح ما ينفق عليها بهذا الوضع اهدارا مستمرا للمال
العام.
لقد أصبحت القصور مجرد أماكن مهجورة لا يدخلها الا المتسكعون ممن لا يجدون ما
يفعلونه، أما المثقفون والمبدعون الحقيقيون فقد أمست هذه القصور عامل طرد لهم،
بسبب الممارسات التي يعاملون بها من قبل موظفين لا شأن لهم بالثقافة من قريب او
بعيد، وربما كان للبعض شأن أكبر مع جهات امنية يستفزها اصلا وجود أي تجمع
للمثقفين.
ان مراجعة سريعة لعينة من قصور الثقافة يمكن ان تكشف لنا أن نسبة الاداريين،
ومنهم القيادات أحيانا ممن يحملون مؤهلات في التجارة أو الزراعة أو الحقوق، أو
التعاون أو القوات المسلحة ـ تصل الي اضعاف نسبة من يحملون مؤهلات ذات علاقة
بمجالات الثقافة والفن والاتصال بالجماهير.
ويري عز الدين نجيب أنه اذا كان المبدعون والناشطون الثقافيون من العاملين
الرسميين بالقصور يضطرون للاستمرار في مواقعهم لأنهم لا يملكون خيارا آخر، فان
المبدعين الذين يتعاملون مع القصور، قد انفض أغلبهم عنها، ولعل من اضطر منهم الي
الاستمرار في العلاقة بها هم هواة المسرح وحدهم، لأنهم لن يجدوا مكانا آخر
يتدربون فيه ولا خشبة مسرح يعرضون عليها ولا جهة أخري تمول عروضهم غير الهيئة،
لهذا فان استمرارهم في ارتياد قصور الثقافة لا يمثل انتماء اليها ولا يؤدي الي
تطورهم وتنميتهم عاما بعد عام ومع ذلك فقد دفع حوالي خمسين منهم حياتهم ثمنا
لعشقهم للمسرح في محرقة بني سويف، فصاروا شهداء وشهدوا علي جريمة لم تحدث يوم
الحادث فقط بل استمرت قبله عشرات السنين.
ويؤكد عز الدين نجيب أنه بنفس قدر الانفصال القائم بين القصور وجماهيرها
بالمحافظات نجد الشيء ذاته بين الجهاز الاداري بالقاهرة وبين قصور الثقافة علي
امتداد أرض مصر.
أما الكاتب والروائي ابراهيم عبد المجيد فيختصر مشكلات كبري في الثقافة
الجماهيرية في ندرة الكوادر الثقافية وضحالة الميزانيات المخصصة للعمل، وانعدام
الرقابة بشكل شبه كامل عليها، وتشغيل معظم المراكز والقصور في أنشطة غير ثقافية.
ويري عبد المجيد أنه لكي تنهض الهيئة فلا بد من برنامج ضخم لتلافي هذه المشاكل
ووضع خطة تحديث للأماكن والقصور والبيوت وأن يتم كل ذلك في اطار من الشفافية
والوضوح. ويري ابراهيم عبد المجيد أن تراجع الدور المؤثر للثقافة الجماهيرية
أفقدها وجودها وأهميتها في وقت كان هو واحد من الذين نشأوا وتربوا عليها في
مدينة الاسكندرية مسقط رأسه، ويؤكد عبد المجيد أن كثيرين من الأسماء المعروفة في
حياتنا الثقافية بدأوا حياتهم عبر قصور وبيوت الثقافة في كافة أقاليم مصر، أما
الآن فقد تغير الوضع تماما، وبات الكساد والاهمال هما عنوان الهيئة وقصورها
وبيوتاتها.
أما الكاتب أحمد عبد الرازق أبو العلا أحد كوادر الهيئة واحد ضحايا معركة
الروايات الثلاث فيقول لنا:
هذا التخوف الذي تطرحه في سؤالك طرح من قبل بعد أن أحيل حسين مهران الي المعاش
وتلاحظ من تلك الفترة أن هذا الجهاز يتعرض لضربات شديدة الوطأة منذ أحداث
الوليمة وما لحقها من توابع ما كان ينبغي لو أن الأمور تسير سيرا طبيعيا أم تصل
الي النتائج التي لاحظناها الي أيام الوليمة وما بعدها من ازمة الروايات الثلاثة
واشتداد الرقابة علي مطبوعات هذه الهيئة وما تبعها أيضا من تغيير سريع ومتلاحق
للقيادات الثقافية، ففي خلال خمس سنوات مر علي هذه الهيئة الدكتور مصطفي الرزاز،
ثم فوزي فهمي ثم علي أبو شادي، ثم محمد غنيم، ثم أنس الفقي ثم مصطفي علوي والآن
في فترة انتقالية الدكتور احمد نوار، والوزير يبحث عن رئيس جديد، كل هذه
القيادات الكثيرة والمتلاحقة أدت الي تفريغ هذا الجهاز ليس فقط من كوادره الحقيقية
ولكن أيضا تفريغه من وظيفته باعتبار ان الثقافة الجماهيرية ـ كما قامت في عهد
سعد الدين وهبة في السبعينيات ـ علي مفهوم الثقافة الشعبية، الثقافة المتجولة من
خلال ما كان يسمي بالقوافل الثقافية، هذا المفهوم أصبح في تراجع شديد الآن وبسبب
هذا التغير الدائم وعدم ثبات القيادات لذلك تبدو الثقافة الجماهيرية في سنواتها
الأخيرة وكأنها استراحة لبعض القيادات المختارة، للصعود بها الي مناصب أخري،
وبالطبع هذا الأمر يؤثر تأثيرا بالغا علي هدف هذا الجهاز الجماهيري الخطير لذلك
نلاحظ نتيجة لذلك غياب الاستراتيجيات والسياسات ويصبح من نتائج حدث مثل حريق بني
سويف أن يظهر امامنا ذلك التخوف الذي طرحته في سؤالك:
هل هذه هي البداية لانهاء دور هذا الجهاز أو بيعه أو اعطائه للمستثمرين لكي
يديروا شؤونه؟
بالفعل أشعر أن هذه هي البداية بمعني انهم يقولون ان هذا الجهاز يحتاج الي عدة
ملايين من الجنيهات وأجزم أنها مليارات لتطوير الأبنية والتي لم تتطور خلال
العشرين عاما الفائتة فبات بعضها مجرد مبان آيلة للسقوط وبعضها الآخر متوقف
تماما عن العمل تحت حجة الترميم وما شابه ذلك والبعض الثالث لا يستطيع في الفترة
القادمة أن يقوم بدوره لأسباب منها أولا: أنك عالجت موضوع محرقة بني سويف معالجة
خاطئة وهذا الكلام موجه لمن قام بالمعالجة، لأنك عاقبت موظفين وقدمتهم كبش فداء
بدل ان تحاسب المسؤولين الكبار المتسببين سياسيا في هذه المحرقة، وأعني هنا وزير
الثقافة ورئيس الهيئة السابق. لن تستطيع ان تضمن في الايام القادمة ان يعمل رئيس
اقليم أو مدير مديرية أو مدير قصر ومسؤول عن نشاط مسرحي، هل تستطيع أن تجزم أن
هؤلاء سوف يعملون من اجل الثقافة!؟ في الوقت الذي يجدون فيه انفسهم مهددين
بالحبس أو دفع كفالة عشرة آلاف جنيه كما حدث لزملائهم نتيجة اهمال يتحمل
مسؤوليته الوزير ورئيس الهيئة بصفتهما معا يملكان الصرف مما يسمي البند الثالث
وهو بند الانشاءات والتطوير وتوفير اجهزة الدفاع المدني والأمن الصناعي. هذه هي
مسؤولية من يملك توفير الميزانيات وليست مسؤولية الموظفين التابعين. واعتقد أنه
من خلال هذه الرؤية البسيطة لن يستطيع هذا الجهاز أن يقوم بدوره المنوط به الا
اذا تغيرت الظروف التي جعلته عاجزا ومشلولا ومصابا بالسكتة القلبية. وكلها
علامات لو لم يتم علاجها لانهار هذا الجهاز انهيارا لا يستطيع القيام بعده،
والتخوف الكامن في سؤالك أنهم اذا كانوا يقصدون المحافظة علي هذه العلامات
المرضية لكي يهلك الجسد فقد نجحوا في أن يجدوا مبررا لبيعه أو اهدائه لمستثمرين
يقومون بادارة أعماله نيابة عن الدولة.
نفس النظرة التي تجدها الآن في من يريدون بيع القنوات التليفزيونية المصرية
لمستثمرين يقومون بادارة اعمالها والأيام القليلة القادمة سوف تكشف صدق هذا
التصور أو عدم صدقه، لأن اهتمام الدولة بتحديث هذه القصور وتأمين البيوت
الثقافية ووضع الاستراتيجيات للنهوض بعمل هذا الجهاز لا بد ان يكون سريعا فاذا
لم يتم بالسرعة الني نرجوها يعكس رغبة في اضعاف هذا الجهاز وتقليص دوره ومن ثم
يكون جاهزا للبيع والتخلص من المشكلات الكثيرة ـ التي للأسف الشديد ـ هم الذين
ساهموا في حدوثها، كما ذكرت لك.
أعلا الصفحة
محرقة بني سويف كشفت المثقف المصري فلا هو ضمير الأمة ولا هو عميل
السلطة
جريدة السفير - « محمد الحمامصي » - 9 / 11 / 2005م - 1:03 م
هولوكوست مصري.. انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل الحجرة
لا تزال محرقة بني سويف تلقي بظلالها على الحركة الثقافية في مصر وعلى قطاعات
وزارة الثقافة المصرية وأنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة بشكل خاص، حيث توقفت
مجمل أنشطتها وما أقيم خلال شهر رمضان عانى من آثار هذه المحرقة التي وقعت في
قصر ثقافة الفيوم وراح ضحيتها خمسون ناقداً ومسرحياً وصحافياً، فأهالي الضحايا
وما إن هدأت الأمور بعض الشيء فوجئوا بإهمال الحكومة لحقوقهم المادية والمعنوية،
حتى الحفلات التي أقيمت لمصلحتهم وتبرعات رجال الأعمال وغيرهم والتي يقال إنها
بلغت 20 مليون جنيه، لم يستفيدوا بها ولم تصل لهم، والأخطر من ذلك ما أشار إليه
العاملون والمتابعون لحركة أنشطة قصور الثقافة من أن هناك إحجاما وتحذيرا من قبل
الجمهور الذي اعتاد على الإقبال عليها لأبنائهم وذويهم من التوجهإلى هذه القصور
لحضور فعالياتها، فالمخاوف من تكرار الحادث تتصاعد يوماً بعد الآخر مع تزايد
فقدان الثقة في الإصلاح والتغيير.
وقد وقع الحريق الذي شب بمسرح قصر الثقافة التابع لوزارة الثقافة في مدينة بني
سويف على بعد 150 كيلومترا الى الجنوب من القاهرة، نتيجة وقوع شمعة استخدمت ضمن
ديكور عرض <<حديقة الحيوان>> لفرقة نادي الفيوم المسرحي، وأسفر
الحريق عن مقتل شخصيات بارزة مثل أستاذ الدراما في المعهد العالمي للمسرح التابع
لاكاديمية الفنون والممثل والمخرج محسن مصلحي صاحب التأثير الكبير في الأوساط
الطلابية وكذلك المخرج بهاء المرغني الناشط في الحركة الطلابية في السبعينيات،
وغيبت النيران ايضا اسمين لامعين في عالم النقد والكتابة المسرحية هما أستاذ
النقد في اكاديمية الفنون حازم شحادة وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت
ابو بكر إضافة الى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15
عاما، وأستاذ المسرح المتميز صالح سعد وغيرهم من الممثلين الواعدين والصحافيين
والمشاهدين في مأساة بلغت حصيلتها 52 قتيلا وما يقرب من 20 جريح.
وقعت الكارثة بعد يومين من بدء فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان نوادي
المسرح الذي كان يشارك فيه 51 عرضا من بين 751 عرضا أنتجتها نوادي المسرح في
قصور الثقافة التابعة لهيئة الثقافة الجماهيرية للمشاركة في المسابقة الرسمية
للمهرجان، فرق من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والفيوم والسويس والجيزة والمنيا
والأقصر وسوهاج والشرقية والإسماعيلية والمنوفية، وتعتبر نوادي المسرح في مصر
أهم مفخرة للفنانين الشباب وقد ترعرع فيها عدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا
نجوما في المسرح والسينما والتلفزيون.
في هذا التحقيق نحاول التعرف على وقع المأساة وآثارها على جمهور الكتاب
والمثقفين خاصة الذين عملوا في الهيئة العامة للثقافة وشاركوا في أغلب أنشطتها
وفعالياتها لسنوات طويلة بعد مرور ما يزيد على أربعين يوماً من وقوعها.
الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي تولى أكثر من منصب في الهيئة العامة
لقصور الثقافة منها إدارة الثقافة العامة وسلسلة كتابات وهو الآن مسؤول عن أطلس
الفلكلور، يقول إن المشكلة الأساسية للهيئة أن الجيل الأول والثاني من الكتاب
والأدباء والموظفين الذين كانوا على دراية ووعي بالعمل الثقافي هجروها أو أخرجوا
على المعاش، فجرى على الهيئة ما جرى على المجتمع كله فالثقافة أصبحت شيئاً
مكروهاً، وأصبحت السيطرة للموظفين في الغالب، وأصبحت مديريات الثقافة في المحافظات
تدار بمعرفة موظفين يعانون من الفقر والمستوى المتدني من الأجور والذين يبحث
أغلبهم عن أعمال أخرى غير الثقافة لتلبية احتياجاتهم، وأصبح عملهم في قصور وبيوت
الثقافة نشاطاً موسمياً تقليدياً مزعجاً هو وأصحابه، أيضاً ضعف وتردّي
الميزانيات المخصصة جعل بيوت الثقافة في الأقاليم لا تسمح بشراء الصحف اليومية،
والأبنية تغيب عنها الرعاية والصيانة ويأكلها الإهمال.
كأن شيئاً لم يقع!!
ويرى الكاتب والناقد أحمد عبد الرازق أبو العلا (تولى أكثر من منصب في هيئة قصور
الثقافة خاصة في إصداراتها مثل مجلة الثقافة الجديدة وسلاسلها الإبداعية) أنه
بعد شهرين من أحداث محرقة مسرح بني سويف التي راح ضحيتها 52 شهيدا من الكتاب
والنقاد والصحافيين والجمهور، نتساءل: ما الذي حدث؟؟ مر الأمر مرور الكرام، وكأن
شيئا لم يحدث، فلا وزير الثقافة أقيل كما طالب أهل الضحايا والمثقفون، ولا وزير
الداخلية، ولا وزير الصحة، ولا محافظ بني سويف، بل اكتفى وزير الثقافة، بإبعاد
د. مصطفى علوي المنتمي إلى لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك عن رئاسة
الهيئة العامة لقصور الثقافة، بعد أن جاءته الأوامر من لجنة السياسات، التي قامت
بحمايته في بداية الأمر، ثم باعته حين لم تستطع حمايته أمام غضب الجميع،
وثورتهم، وأمام اللعبة المسرحية التي قام بها فاروق حسني وزير الثقافة، حين قدم
استقالته غير المكتوبة، ووضعها أمام الرئيس مبارك، الذي لم يقبلها، وكأن أرواح
المصريين لا قيمة لها، فما بالك والأرواح لرجالات المسرح ونقاده وكتابه!!.
هذا الأمر يكشف القناع عن النظام الذي لا ينحاز لشعبه بقدر انحيازه إلى مصالحه،
حتى لو جاءت على حساب الأرواح، قدم وزير الثقافة بعض الموظفين الصغار كبش فداء،
فأبعدهم عن وظائفهم، وحولهم إلى النيابة العامة التي أفرجت عنهم بكفالة مالية،
لحين انتهاء التحقيقات، لكن السادة الوزراء لم يصبهم أي سوء، ولم يقف أي واحد
منهم أمام أي جهة تحقيق، وكأن الوطن أصبح وطنهم وحدهم هل تستطيع عشرة آلاف جنيه،
وهو المبلغ الذي صرفته وزارة الثقافة نيابة عن الدولة لكل شهيد، هل يستطيع هذا
المبلغ أن يعوض أسر أهل الشهداء، وهل هذه هي القيمة التي تُحددها الدولة لكل
كاتب أو ناقد أو مفكر، إذا أصابه سوء، نتيجة إهمال من الدولة؟؟ إن الدولة في
حقيقة الأمر دولة قاتلة، ولو كنا في مجتمع ديمقراطي متحضر، لقدمت الحكومة كلها
استقالتها، لكننا في دولة حين يموت كل هذا العدد من المثقفين نتيجة إهمال هي
السبب الرئيسي فيه لا تقوم بتنكيس الأعلام، بل تقوم بممارسة الحياة وكأن شيئا لم
يحدث، ولذلك وجدنا وزير الثقافة يصر على استمرار إقامة مهرجان تافه اسمه (مهرجان
المسرح التجريبي) دون ادنى احترام للمشاعر، والسؤال هو: لو كان مسؤول واحد قد
مات مع هؤلاء الشهداء، فهل كانت الأمور ستسير على النحو الذي سارت عليه، من
الإهمال واللامبالاة؟؟.
وزارة الثقافة بعد المحرقة قررت تعطيل كل الأنشطة المسرحية في الأقاليم، بحجة أن
الأماكن غير مجهزة امنيا، وبسبب أن وسائل الأمن الصناعي غير قائمة، تفعل هذا
بمنتهي البراءة، وكأن وزير الثقافة الذي يرأس هذه الوزارة منذ ثمانية عشر عاما
وما زال لم يكن يعلم أن الأمور في مسارح قصور الثقافة أمور سيئة منذ سنوات، ولم
يكلف نفسه بتوفير الأموال اللازمة لتأمين تلك القصور والبيوت الثقافية، التي
تعدى عددها في مصر كلها 513 موقعا ثقافيا، لم يكلف نفسه بتوفير الأموال لهذه
الأماكن، في الوقت الذي ينجح فيه في توفير مئات الملايين من الجنيهات، لإقامة
احتفاليات لا قيمة لها، لأن مردودها الثقافي وقتي، وباهت، وضعيف، لكن المردود
الثقافي الأعمق، المؤثر، هو المردود المستمر والدائم، وهذا ليس موجودا، ومنذ
سنوات.
إن تلك المحرقة تفرض علينا مسؤولية أن نُجبر المسؤولين في الدولة على الاهتمام
بأمور الثقافة، وإعلاء شأن المثقفين الذين تحول معظمهمإلى قطيع، في حظيرة وزارة
الثقافة، وهذا هو تعبير وزير الثقافة المصري نفسه، حين تباهى يوما وما زال
يتباهى، بأنه نجح في إدخال المثقفين المصريين إلى الحظيرة، ويقصد حظيرة الدولة،
بالهبات التي أعطاها لأصحاب الولاء، والمريدين، والأصدقاء، وباتت قضية مثل قضية
(المثقف والسلطة) لا تجد لنفسها مكانا في مجتمع باع فيه معظم المثقفين ضمائرهم،
في مقابل بعض العطايا والمنح التافهة وتخلوا عن دورهم الأساسي، ولا يمكن أن يقوم
المثقف بدوره وهو على حالة وئام كامل وتام مع الواقع ومع السلطة، لأن الاختلاف
هو الذي يدفع المجتمع أي مجتمع إلى التقدم والرقي. إن محرقة بني سويف كشفت
المأزق الذي وضع المثقف نفسه فيه، فلا هو أصبح ضمير الأمة، ولا هو أصبح عميل السلطة
الكامل، بل أصبح يسير على الحبل لأنه أراد أن يسلك المسلكين معاً، وهذا الطموح
مستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لك موقف محدد تجاه ما يحدث، لا بد أن تكون مع أو
ضد، ولكن أن توقع باسمك على بيان يقول لرئيس الدولة لا تقبل استقالة الوزير،
الذي أعلن مسؤوليته السياسية عما حدث في المحرقة؟!! فهذا أمر عبثي، وسلوك فج
للمثقف، لأن هؤلاء باعوا ضمائرهم، مقابل لا شيء.
حريق الوعي في بني سويف
الناقد د. مصطفى الضبع أستاذ النقد الأدبي جامعة القاهرة فرع الفيوم ومدير تحرير
سلسلة كتابات نقدية وأحد أبرز الوجوه التي تشارك في مؤتمرات وفعاليات الهيئة
العامة لقصور الثقافة، يقول: بعيدا عن الأحداث الدامية التي نحاول جميعا وخاصة
المسؤولين التنصل من أسبابها، وبعيدا عن الدموع التي من المفترض ألا نذرفها على
المحترقين بأن نوفرها لما هو قادم من كوارث فالأجراس تدق للأحياء ا للذين رحلوا مودعي
إيانا سادرين فى جهلنا، بعيدا عن كل ذلك يتطلب الأمر التوقف عند مجموعة من
الرواسخ التي ما دامت قائمة فى حياتنا فعلينا أن نكتب وصايانا قبل الأوان:
أولا: غياب الفهم الحقيقي لدور المسؤول للمتأمل لأدوار المسؤولين في الصحة
والثقافة والأمن يتأكد له أننا نعيش في عالم المسئولين الآلهة، لم يتقبل وزير
الصحة مقولة أن المستشفى الحكومي غير مؤهل لاستقبال حالات الطوارئ، رغم أننا
نعلم جميعا أن مستشفيات وزارة الصحة ينطبق عليها مقولة الداخل مفقود (هل يفسر
لنا السيد الوزير توالي حالات الوفيات بعد المحرقة؟) لم يتقبل مسؤول واحد النقد
حتى لو كان تنبيها أو إشارة لمثلبة واحدة ولو كان المسؤول (أي مسؤول) على ثقة من
نفسه بدرجة ما فهل تنسحب هذه الثقة (وبأي درجة) على من يعملون معه، إن المسؤول
لا يتعامل مع مرؤوسيه بمنطق البشرية وأن منهم المجيد ومنهم دون ذلك، وإنما
يتعامل بمنطق أن هؤلاء (رجالته) ومن ثم الاقتراب منهم معناه الاقتراب منه شخصيا
(كم من الزمن احتاج السيد وزير الثقافة لإقالة الدكتور مصطفى علوي؟).
ثانيا: غياب الوعي، الوعي بما يمكن حدوثه وما يتطلب خيالا نحن نفتقده (تراجع
حالة العامل الذي أغلق باب المسرح من الخارج).
ثالثا: غياب المثقف الحقيقي وحلول المثقف المدجن، وهو ما يمثل صدمة من نوع خاص
لا تقل في نظري عن المحرقة ذاتها. لقد احترق البعض بمحض إرادتهم حين تابعنا ردود
أفعالهم وإيثارهم جانب المصلحة الشخصية (يراجع موقف بعض الذين خدعنا في كونهم
مثقفين لنكتشف أنهم لا يستحقون اللقب).
ستظل الحال على ما هي عليه وعلى المتضرر اللجوء للوعي الغائب، ذلك الذي هجرنا
منذ سنوات أو فلنقل إن المحترق الأول هو الوعي بكامله.
نظرة مستقبلية للحادثة
القاص والروائي السيد نجم يقدم رؤية مختلفة لما سوف يترتب على الحادث فيقول: أظن
أن ما حدث فى قصر ثقافة بني سوف يعد بؤرة ارتكاز للكثير من القضايا التي يمكن أن
تنطلق منها، إلا أنني أفضل النظر الى <<الرؤية>> المستقبلية لما حدث
وتبعات الحادثة المشؤومة. لعل مستقبل الآليات الثقافية أو بتعبير آخر الصناعة
الثقيلة في الثقافة، هي ما يتوجب إعادة النظر إليها.
تعد هيئة قصور قصور الثقافة واحدا من تلك المصانع/ المؤسسات المأمول منها بالدور
المرجو، ضمن الصناعات الثقيلة الثقافية. وإن كان ما حدث في قصر بني سويف يعد
مأزقا لأي مؤسسة كانت، فلا مناص من وقفة مع النفس.. مخلصة وصادقة لوجه الله
والوطن.
سوف نعدد الأسباب القريبة والبعيدة، الظاهرة والخفية.. وبالجد والصدق، يمكن
تجاوزها. وسوف نشير بأصبع الاتهام إلى شخص ما أو نظام عمل، أو حتى لقوانين
ولوائح قاصرة، كل ذلك يمكن تجاوزه.
أما أن تمنع الأمهات أطفالهن من ارتياد قصور الثقافة، فهذا واقع حقيقي الآن،
وأكثر ما يؤلمني بعدما هدأ الجميع. فالطفل هو المستقبل، ولا قيمة حقيقة للقصور
الثقافية، ولا أقول لكل المؤسسات الثقافية، ان لم يكن الطفل نصب عينيها.
وها هو ذا الطفل.. الأمل يمنع من ارتياد القصور الثقافية، والأم.. نلتمس لها بعض
العذر، ولكن لا نكتفي بالصمت، يجب أن نتجاوز الآني بكل السرعة الممكنة، وعلى أسس
جديدة.
أخطر ما نتج عن حريق قصر ثقافة بني سويف (في رأيي) هو عزوف الأطفال والصبية الآن
من ارتياد قصور الثقافة، وخصوصا أن بعض المحافظات بأمر من المحافظ، أغلقت أبواب
بعض قصور الثقافة فيها، حرصا على أرواح الجميع..!!
تمر هيئة قصور الثقافة الآن بمنعطف خطير، لاستيعاب ما حدث، ثم تجاوزه، ثم التقدم
سريعا نحو رأب الصدع، وجمع شمل روادها.. وأكرر روادها من الأطفال.
إن الأمهات اللاتي منعن أبناءهن، لن تقنعهن الشعارات ولا الكلمات المتفائلة، ولا
الصمت.. لن يسمحن لأطفالهن بالعودة للصراخ واللعب داخل أروقة قصور الثقافة، الا
بعد أن يشاهدن عملا إيجابيا فاعلا وصادقا وجادا، داخل تلك القصور، والبيوت
الثقافية على الضفة الأخرى من النهر، لعلني أقصد الوجه الآخر من العملة، أو هي
المراكز الثقافية في الريف والصعيد، والقرى والنجوع!!
هولوكوست مصري
الكاتب الصحافي حلمي النمنم (عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة):
على المستوى البعيد لن يكون للحادث آثار كبيرة سلبية أو إيجابية، فهذا الحادث
يقع في نطاق حوادث مشابهة تقع باستمرار في مصر ولم تهتز الدنيا، نحن نعيش ما
أسمّيه هولوكوست مصرياً، كل يوم تقريباً تقع حوادث مشابهة، قبل حادث بني سويف
بليلة واحدة سقط أتوبيس في النيل أمام مدينة المنيا ولم يعثر إلا على خمس جثث
فقط، الجهات المختصة قالت إن الأتوبيس كان به 29 راكباً ولكن الذي يعرف
الأتوبيسات في صعيد مصر يمكن أن يتخيل أن الرقم ضعف ما ذكرته الجهات الرسمية على
الأقل، ومع ذلك لم يتحرك أحد.
بعد محرقة مسرح بني سويف بيومين نزل جرار زراعي في مدينة بني سويف نفسها وكان به
13 طفلاً وطفلة تحت السنوات العشر من العمر كانوا في طريقهم للعمل في الحقول
وماتوا جميعاً ولم يتحرك أحد.
حادث المسرح في هذا السياق عادي جداً لكن غير العادي أن الضحايا من النخبة،
فتحركت النخبة ممثلة في المثقفين والكتاب والصحافيين، أما أولئك الذي يسقطون
يومياً بالعشرات في حوادث متفرقة فلا يتحرك أحد (لأنهم من العوام والرعاع أو
الزعران الذين لا يهتم بهم أحد).
خراب شامل
الكاتبة فريدة النقاش رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد: ما حدث في بني سويف كان فريداً
من نوعه، لا فحسب لأن أبسط وسائل الأمان كانت غائبة ولكن أيضاً لأن خراباً
شاملاً قد كشف عن وجهه القبيح في كل المؤسسات الأخرى، إنها رسالة إلى كل
المصريين فحواها أن حياتكم بلا قيمة لها، وأن الموت يتربص بكم جميعاً في كل مكان
لأهون سبب وأنكم تواصلون الحياة مصادفة وأن كلاً منكم مطالب بأن يحمي نفسه
وأسرته وأن لا يهتم بالآخرين فما من منفذ أو ملاذ أو ضمان.
إن معظم هؤلاء الذين التهمتهم المحرقة في بني سويف لم تكن بني سويف محطتهم
الأولى بل ربما هي الألف في رحلة شاقة جابوا فيها أقاليم مصر شرقاً وغرباً
وشمالاً وجنوباً ليشاهدوا الأعمال الفقيرة ويلتقوا بالمثقفين والكتاب الفقراء
ويشاركوا في تقييم الأعمال ويقدموا خبراتهم ومعرفتهم لهؤلاء الذين هم في أمس
الحاجة للعون بعد أن انكمشت الميزانيات المحدودة المخصصة للمسرح الإقليمي والتي كانت
قد تآكلت أصلاً بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح جزء أساسي من الإنفاق
الحكومي موجهاً للمهرجانات دون نظر جدي لأوضاع قصور الثقافة التي من المفترض
أنها ترعي المثقفين في كل أقاليم البلاد وتساعدهم على تطوير مواهبهم
وإمكانياتهم.
حكايات لا تنتهي!
وتستشهد الكاتبة د. كرمة سامي أستاذة الدراما بكلية الآداب جامعة عين شمس
بحكايات وأقوال من عاشوا هذا الجحيم وتتحدث عن رؤيتها وتقول: اشتعلت خشبة المسرح
فأسرع صديقي الشاب الفنان شادي الوسيمي بالخروج من الباب الضيق، اتصل بالمطافئ
وبالاسعاف ودخل وخرج عدة مرات لينقذ ما يمكنه من زملائه، وفي المرة الأخيرة
لدخول شادي لم يخرج فقد انفجر غاز الفريون واستشهد شادي، وهذه شهادة زملائه
الناجين من الحريق لوالدته. تأخرت عربات المطافئ وتأخر الإسعاف ونجا شادي من
الوقوع في براثن شبكة الجهل والتخلف وغنم مع زملائه طلاب أكاديمية الفنون وعشاق
المسرح وأساتذته من نجوم نقاد المسرح بالشهادة. لكن بقي لنا بعد المأساة التي لم
تنته بعد المكاشفة ومواجهتنا مع النفس بعد هذه الخسارة الغالية التي لا تحتمل.
عندما احترقت ستارة المسرح انكشف ما تصورناه مستورا وشاهدنا بأعيننا الفقر
المعيب في الخدمات الصحية والأمنية والثقافية.
ولكي لا نتهم <<بالتهويل>> يكفي لنا أن نتابع ما ينشر عن الضحايا
وتفاصيل المشهد الثقافي لنتبيّن الخدعة الكبرى في أداء فقير ومخز لكل من له صلة
بالحريق، خارج مشهد الحريق يتصل الدكتور صالح سعد من هاتفه المحمول ليستنجد
بأسرته ثم يلقى ربه في اليوم التالي متأثرا بحروقه، أحد وكلاء وزارة الثقافة
السابقين يصرح لصحيفة رسمية بأن نصيب الفرد من الخدمات الثقافية لا يتعدى ثلاثين
قرشا سنويا، المسرح التجريبي السنوي كلف مصر أكثر من مئة مليون جنيه مصري،
انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل القاعة الصغيرة لنكتشف أنها أطلال مبعثرة،
كان ويليام شكسبير يعرض أعماله على خشبة مسرح الجلوب وفي بلاط الملكة إليزابيث،
لم يكن البذخ أو الترف هو الذي نشر رسالته الفنية عبر العصور وإنما الفن الحقيقي
الذي أبدعه لكل مواطني العالم، لذلك لا يبنى صرح الثقافة المصرية الشامخة العريقة
بقص أشرطة المهرجانات في دار الأوبرا بالجزيرة وإنما بتخطيط وتنفيذ مستمر لنشر
الثقافة في كل قرى مصر لكي يحلم الفقراء ويصبح الفن أجنحتهم التي يحلقون بها.
أصابت محرقة بني سويف الثقافة المصرية في مقتل وكشفت هشاشة البنيان وهو ما كنا
نشعر به منذ سنوات حتى أصبح حقيقة واقعة سقط ضحيتها خمسون من أبناء هذا الشعب
الطيب ينتمون إلى طائفة المثقفين التي أوشكت على الانقراض.. عندما يحترق
<<بيت>> الثقافة ولا يجد المثقفون لهم مأوى لا بد لنا من وقفة حاسمة
مع النفس مثقفين ومسؤولين لكي لا نسمح بتكرار هذا الحدث المشين على أرض مصر
الحبيبة مهد الحضارات وأم الدنيا؟
الناقد والكاتب المسرحي د. نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح في جامعة حلوان: للأسف
غياب الإمكانيات وعدم توافر وسائل أمان والإهمال، هذه أمور تتكرر لكن لا أحد
يشعر حتى تقع كارثة بهذا الحجم، والمشكلة أن المسؤولين عن هيئة قصور الثقافة
بمختلف مستوياتهم الإدارية ليس لديهم تصور عن كيفية إعداد وتجهيز مهرجان يستضيف
أعدادا كبيرة من الفرق المسرحية المشاركة التي تحتاج لإجراءات واستعدادات
للتأمين وللطوارئ ولا يعرفون كيف ينسقون مع الجهات التنفيذية المختلفة.
من أجل ذلك فإن كارثة بني سويف يمكن تكرارها بسهولة في أماكن أخرى تابعة لهيئة
قصور الثقافة، ويمكنني أن أضرب لك الأمثلة على عدد كبير من قصور الثقافة عبارة
عن خرائب لمخلفات المهرجانات ومرتجعات الكتب وغير ذلك.
Deadly
fire in Egyptian theatre
BBC NEWS
Thirty-one
people have been killed and many
injured in a fire in a packed Egyptian theatre that was apparently set
off by stage candles.
Survivors
say an actor accidentally knocked over a
candle on a set made entirely out of paper bags, while the play was being performed.
The
audience scrambled to escape the building in Beni Suef, 100km
(60 miles) south of the capital Cairo.
Some
of those killed are believed to
have died in the stampede to get out.
Others
were killed either by the
flames, or by suffocation.
"Everyone was trying to save
themselves and they were falling all over each other," survivor Mohammed Arafat Yassin told the Associated Press.
"It was like being inside a barbecue grill.
Everyone was burning."
Egypt's
health minister said he expected an
investigation to examine both the fire's cause and why so many people died, AP reports.
'Ocean
of fire'
Police
said the fire broke out at about 2245
on Monday evening (2045 GMT) and was still raging an hour later.
The
flames engulfed the stage and spread out into the packed
auditorium.
Survivors
spoke of scenes of chaos - with people screaming and
trampling each other to reach the exit.
"All the people rushed to the
exit and struggled to get out," producer Adel Hassan said.
"But the fire spread very rapidly and many of them just couldn't
get out in time."
It
appears that the theatre had two exits, but one had been covered in the
same paper bags as the rest of the set, which made it unusable. Sixty people were injured, of whom 16 were
seriously burned, Reuters reports.
Survivor
Mohammed el-Amrousi said "the flames were like an ocean spreading across the theatre".
The
blaze was eventually brought under control by
fire crews.
The
play was being shown as part of an experimental
theatre festival, with performances from all around the country.
The
fire is the deadliest in Egypt since a blaze broke out on a train carriage in 2002, killing at least 350 people.
أعلا الصفحة
Shawn Baldwin for The New York Times
A police
officer stood guard on Tuesday at the theater in Beni Suef that burned during
a student performance.
By MICHAEL SLACKMAN
Published: September 7, 2005 The New York Times
BENI SUEF, Egypt, Sept. 6 - When a candle used as a prop was tipped over in a
small one-room theater here on Monday night, the place was packed - 200
people were inside - and the side exit had been bolted shut. Fire blasted
through the room, chewing through the ceiling, carpeting and paper
decorations, killing 32 people, some of whom never got out of their seats,
and injuring 60 others.
[attachmentid=157]
Skip to next paragraph undefined
Shawn Baldwin for The New York Times
Relatives wept as fire victims' bodies were taken from a morgue in Beni Suef.
Their anger speaks to wide alienation from Egypt's government.
After the bodies were removed, riot-equipped police officers stood guard
outside the charred remains of the theater and outside the morgue, where the
bereaved waited hours for word of their loved ones. When the crowd grew loud
and desperate, the police beat it back, witnesses said.
This was a human calamity, a summer theater festival for university students
that ended with the deaths of 13 young people from one theater troupe alone,
and the government's primary response was to focus on security.
The people's response was anger, an anger that speaks to the alienation
between a government and its people and helps explain why so many Egyptians
have not been moved to take part in the nation's first experiment with
expanding democracy.
Voters go to the polls on Wednesday to select a president, and for the first
time they have a choice of candidates. But very few people are expected to
vote, and everyone expects that Hosni Mubarak will win his fifth six-year
term.
'"They don't care about us," yelled Mahmoud Abdul Hamid, as he
stood in a street watching ambulance after ambulance drive off with charred
corpses wrapped in white sheets. "It's the whole government that doesn't
care about us, from the guard at the door to the minister."
Egypt is trying to promote itself to the world as a fledgling democracy.
President Mubarak and his allies are hoping that enough people show up at the
polls to confer a degree of legitimacy on his re-election, though few outside
the president's inner circle seem to expect that to happen.
The campaign was just 19 days long, and while it provided a historic
opportunity for opposition forces to challenge the ruling party's monopoly on
power, it did not fundamentally alter the relationship between the
authorities and their subjects, a reality starkly illustrated by the fire and
its aftermath in this poor Upper Egypt city about 65 miles south of Cairo on
the Nile.
"They treat us like fifth-class citizens," Zakey Izat, 26, shouted
as he stood beneath a banner hung above the street, which said, "Yes to
Mubarak, to continue the war against terrorism."
"We're very, very tired," Mr. Izat yelled. "We're very, very
poor. They don't care about us."
The indignities kept piling up.
An ambulance carrying one sheet-draped body broke down in the middle of the
street. The family in the back sat for a while as the driver tinkered with
the engine. The brother of the deceased stood in the street screaming until
finally the back doors opened and the people pulled the body out and carried
it to another ambulance, which had stopped to help.
"Young people are killed and they can't even remove the bodies,"
Mr. Hamid shouted in despair. "Even the ambulances break down."
Beni Suef is a poor farming town with a population of 150,000. It is a
two-hour drive from Cairo, but compared with the capital, where streets are
clogged with cars, Beni Suef is a step back in time. The roads are dusty, and
farmers work the land with the same simple tools as their ancestors. There is
almost no tourism, and unemployment is rampant.
In 1997 the government put up a theater in the center of town. At least they
called it a theater: it was a boxy brown slab of a building with a windowless
room on the first floor that was used for performances. There was no stage,
and the chairs were metal seats lined up facing the front.
This year the government selected Beni Suef as the site of a college theater
festival. Young people from around Egypt came to perform. On Monday night a
group from Fayum was onstage. It put on a play called "The Zoo,"
using paper and wood to make the theater entrance look like a cave.
The play was only 24 minutes long, and it had just finished when the concrete
bunker of a room turned into a blast furnace. "I saw the fire and I
screamed for the actors to get out," said Muhammad Hasseb el-Nabi, who
said he had been seated in the front row, farthest from the entrance. "I
rushed out and fell. People ran over me. I just kept going until I got out to
the street."
The six people seated beside him died.
The fire raced across the ceiling tiles and caught the decorations at the
entrance. With the side door locked, the only route out was through what one
witness called "hell." Shadows of the dead were burned into the
floor.
By Tuesday afternoon families had crowded in an alley outside the city
morgue. They were held back by policemen in riot gear, who took off their
helmets and put down their shields after the people agreed to be calm. They
stood for hours in front of a gate that looked like prison bars. Occasionally
a wooden bier would come out and friends and relatives of the dead, sobbing,
would help carry the body over to an ambulance.
The head of security in the city, a man in a stiff suit and neatly knotted
tie, stood watch, making sure that everything was in order. The anger was
palpable.
"When I got here, security was preventing people from entering the
theater because their royal highnesses, the ministers, wanted to take
pictures," said Ahmed Shawqi, who heads the student union at the Art and
Theater Academy in Cairo. "When they moved the bodies to the morgue, the
crowd was shouting, 'May God destroy the government!' "
As the hours ticked by, the anger seemed to be overwhelmed by grief and
resignation. "Accept your fate," a woman wailed as body after body
emerged from the morgue. "Please have mercy on us."
Ahmed Muhammad Fayoume was an actor who had been watching his friends perform
when he was killed. His friends took his sheet-draped remains through the
streets of the city, right to a mosque next door to the theater.
"I am not upset," said a man who identified himself as Mr.
Fayoume's uncle. "This is God's will. We accept God's will."
Abeer Allam contributed reporting for this article.
أعلا الصفحة
Egypt's culture minister resigns over fire
THE ASSOCIATED PRESS
CAIRO, Egypt -- Egypt's culture minister resigned Wednesday over a fire last week that
killed 42 people at a state-run theater in a Nile River
farming town south of Cairo.
Farouk Hosni's resignation came after the detention Sunday of eight local Culture Ministry officials for questioning in the
Sept. 5 fire, which began
when an actor knocked over a candle on stage, setting alight paper decorations that covered the theater's walls and ceiling.
The decorations blocked the theater's main exit, forcing some 150 people inside
to try flee through one small door.
Hosni presented his resignation to President Hosni Mubarak, the semiofficial Middle East News Agency reported.
It was not immediately possible to reach Hosni for
comment, and it was unclear if Mubarak accepted the resignation.
"If calm means that the culture minister
should leave, then I will," Hosni told Al-Jazeera
TV.
"I felt that I have caused some embarrassment to the regime that I respect very much (so) I
presented my resignation to President Mubarak and I bear
the political responsibility," said Hosni, who has been culture minister since 1987.
He expressed sadness over the deaths in Beni Suef, but complained about "hateful
exaggerations" about the disaster.
"At the end it was everybody's fault, not
one in particular, because the place wasn't meant
to be a theater," Hosni said.
Relatives of the victims have accused local culture, interior
and health ministry officials of gross
negligence.
أعلا الصفحة
المسرح دوت كوم - 5/9/2007
|