الفصل الثالث
الشخصية
يشير المصطلح الإغريقي “شخصية” Karakter إلى ثلاث أفكار أساسية ومترابطة: (1) المعنى الحرفي لما يصك أو يوضع كعلامة مثل الطابع والعملات المعدنية والأختام، (2) المعنى المستعار للعلامة Mark التي تضفى على شخص أو شيء ما “السمة” أو “العلامة المميزة”، (3) التشابه أو الصورة أو التمثيل الدقيق، واستخدم المصطلح بالإنجليزية بادئ الأمر للإشارة إلى “الشخصية” في رواية أو مسرحية، عام 1749.
(قاموس أكسفورد الإنجليزي المختصر)
يؤكد أرسطو على أولوية الحبكة على الشخصية، فيقول في كتابه “الشعر” Poetics إن التراجيديا “محاكاة ليس للأشخاص وإنما للأفعال والحياة، للسعادة والتعاسة، إن السعادة والتعاسة محكومان بالفعل”.
(أرسطو 1965: 39-40)
وسوف نصادق على هذا القول بأن نقترح أن المسرحيات الكلاسيكية مثل (أوديب ملكاً) و(كل حي) و(فيدرا) غالباً ما تقرأ قراءات كثيفة الدلالة عندما تقرأ كبيانات سياسية أو أخلاقية في شكل درامي، وبينما تؤلف الاهتمامات الإنسانية المادة الخام للدراما، وبينما يؤدي المسرح بواسطة البشر والنتيجة “فإن البشر هم مضمون المسرح وشكله في نفس الوقت”.
(ويلسون 1976: 97- 99)
إن الشخصية في الدراما “الكلاسيكية” هي توظيف للفعل وللقاعدة الإيديولوجية والثيمية للفعل، على سبيل المثال، فإن شخصية أوديب تتسم بالشك الديني والكبرياء، هذه الملامح تجمع بينه وبين لايوس وجوكاستا- الوالدين اللذين لا يتعرفان عليه- وهي تحديداً السمات التي قادته إلى مصيره المحتوم.
إن النص الدرامي “البورجوازي” الذي كان معاصراً للرواية الواقعية وتطور علم النفس (في طوره الأخير)، كنظام من نظم الدراسة العملية، يعكس اهتماماً واضحاً بالشخصية في حد ذاتها.
ويعبر سترندبرج في تصديره للأنسه جوليا Miss Julie عن النظرة القائلة بأن “ما يهم الناس اليوم هو التطور السيكولوجي” ويعترف في إطار إبداعه الخاص، بأنه مدين بالفضل إلى الروايات الواقعية التي كتبها الأخوة جونكور Goncourt (1976: 99) كما يقرر اهتمامه ببناء شخصيات ذات دوافع معقدة، وهي الشخصية السائدة في عصرنا، كما يشير إلى شخصياته على أنها توفيق بين أيدولوجيات متعارضة، قائلاً: إن شخصياتي هي كيانات تلتقي فيها شقاقات الماضي والحاضر، استكشاف من الصحف والكتب، قطع صغيرة من الإنسانيات، قصاصات ممزقة من ثوب كل ذات يوم فخماً، وأصبح أسمالاً بالية، بنفس الطريقة التي تتشكل بها الروح الإنسانية”. (1964: 95)
إن رسم الشخصيات بتفاصيلها السيكولوجية لا يتطلب التقليل من وظائفها الأيدلوجية والبنيوية، ففي مسرحية (الأنسه جوليا) كما في (هيدا جابلر) تلعب الشخصيات دورها أيضاً باعتبارها تمثيلات لمواقف خاصة بالنوع والطبقة المعينة.
ويتعرى الصراع الأيدلوجي من خلال صراع الشخصية ولا يعني ذلك أن كل النصوص البورجوازية تلجأ إلى سيكلوجيا طبيعية، وعلى خلاف ابسن الذي يستدعى الحوار بين شخصيتين في أعماله إلى الذهن المحاورات الثنائية، فضل تشيخوف أن يكتب في مستوى السطح الاجتماعي وأعاد ترتيب نظام طبقات ملاك الأرض من وجهة نظر خارجية وموضوعية.
ويناقش الناقد رونالد هيمان مصطلح شخصية، فيقول: إنها كلمة خطرة لأنها تتضمن الأحكام والترابط والفردية، التي قد لا تكون متحققة. (1977: 50) إن هذه العبارة تصف مشروعنا بشكل جيد، مع الوضع في الاعتبار بناء الشخصية وترتيب الأولويات في النصوص البورجوازية، إنها تقودنا أيضاً إلى تفسير لتطور أساليب معينة في القراءة (نص المسرحية باعتباره رواية ناقصة) وفي المشاهدة (نص العرض باعتباره رواية متحركة) علاوة على ذلك، فإن تلك العبارة تذكرنا بأن الشخصية في الدراما يتم بناؤها كلياً في إطار اللغة وعن طريقها، وأن ليس لها وجود بعيداً عن عالم النص الخيالي.
في النص الراديكالي تمثل الشخصية باعتبارها “بناء”.. ففي مسرحية (الأم) يفيد بريشت كثيراً من توجيه الحديث مباشرة إلى الجمهور، وهو يحطم حواجز التقاليد المكانية ويحقق المشاركة بين الممثل والمتفرج، والشخصيات في (لعبة النهاية) تعى وضعها كشخصيات في حالة أداء.
وينطق الحوار بالاستعارة المسرحية، فإن كلوف في إحدى اللحظات يدير بصره في صالة المسرح بشكل تهكمي من خلال تلسكوب، قائلاً: “إنني أرى.. أناساً كثيرين.. في عربات من المتعة” (وقفة) هذا ما أسميه عدسة مكبرة (25) أما تشرشل فتضع في مسرحيتها (فتيات قمة) إلى جانب الشخصيات الدرامية شخصيتين هما دل جريت والمريض جريزيلدا، وهما مشتقتان على التوالي من لوحة بروجل Brueghel (Dulle Griet) ومن حكاية الموظف من حكايات كانتربري لتشوسر، Chausser، وفي كلتا الحالتين يوضع المتفرج على مسافة نقدية من الفعل، وبالتالي من تشابه الأحداث المنعكسة الخاصة بالتوحد الوجداني مع الشخصيات ومن ثم تتاح للمتفرج طريقة أكثر فعالية في المشاهدة.
وظائف الشخصية
فيما يتعلق بتطبيق المنهج السيميوطيقي على الشخصية، فإن الإرث الهام من المداخل الشكلية كان هو مفهوم وظائف الشخصية، لقد تطور هذا المفهوم عن العمل الذي بدأه بروب في الحكايات الشعبية، والذي سبق ذكره في العرض التاريخي الموجز في الفصل الأول، لقد طرح تحليل بروب تصنيفاً لأحدى وثلاثين وظيفة للحكاية الشعبية، وأضاف أيضاً أن كثيراً من الوظائف ترتبط معاً بشكل منطقي لتؤلف مجالات معينة Spheres، هذه المجالات في مجملها تنطبق على مؤديها، إنها مجالات للفعل (1968: 79): وقام بروب بعد ذلك بتعريف سبعة مجالات للفعل، كما يلي:
1- الشرير
2- الواهب
3- المساعد
4- الأميرة (أو المبحوث عنها) وأبوها
5- الرسول
6- البطل
7- البطل المزيف
وفيما يتعلق بالكيفية التي تضطلع الشخصيات وفقاً لها بأداء هذه الأفعال، فقد لاحظ بروب أنه إما تتوافق الشخصية تماماً مع الفعل، أو تتغير وظيفتها من خلال تورطها في عدة مجالات للحدث، أو أن تقوم عدة شخصيات بمجال واحد من مجالات الحدث (1968: 79- 8) وبينما يقتصر علم السرد (Narratology الذي وضعه بروب، على الحكاية الشعبية الروسية، فإن مقولة الربط بين الشخصية ومجالات الحدث تقدم معرفة هامة بكل من الشخصية والنص الدراميين.
ومن أولئك البنيويين الذين أضافوا إلى ما أنجزه بروب كان أ. ج. جريماس Greimas (أنظر هوكز 1977: 87) الذي تأثر أيضاً بالمنظر الدرامي، اتيين سوريو Souriou ونموذجه الذي يتضمن ستة أدوار، والذي يبدو أنه قام بتطويره بشكل مستقل عن بروب (للتفاصيل، أنظر جريماس 1983- الفصل العاشر). وخلال عمله في علم المعاني Semantics، أو بني المعنى، قام جريماس باختبار فرضية نموذج أفعال Actantial طرح “كواحد من الأسس الممكنة لتنظيم عالم المعاني” (1983: 99) ومثله مثل “حساب” سوريو، تضمن نموذج جريماس ست وظائف كما هو موضح في شكل 3/1.
شكل (3/1)
في هذا المخطط، يمثل المرسل (د1) قوة أو كائناً يؤثر على الفاعل Subject من أجل البدء في سعى الفاعل إلى المفعول Object في اهتمامات المتلقي (د2) الذي يمكن أن يلقى الفاعل في سبيل الوصول إليه العون أو المعارضة.. ففي حالة السعي إلى الحب مثلاً فإن الفاعل (البطل) يبحث عن المفعول (البطلة) بتأثير من ايروس (الحب)، وبشكل نمطي فهو يتلقى العون من كاتمي الأسرار أو الخدم، وتعارضه مجموعات أبوية، في نموذج السعي إلى الحب فإن الفاعل هو أيضاً المتلقي، أي أن البطل بدافع الحب يعمل لصالحه هو نفسه، وللتوضيح يتم تطبيق هذا النموذج على مسرحية (هيداجابلر) في الشكل 3/2.
إن ما يصوره هذا النموذج الفاعلي لمسرحية إبسن، هو القوى الثنائية المتعارضة التي تقوم عليها التراجيديا.. إن عزلة هيدا توضحها فئة الخصوم المكتظة بالشخصيات، والغياب الكامل للمساعدين، ونظراً لغيابهم هذا، فإن سعي هيدا يكتسب دلالة، وإذا قمنا بتخطيط سلسلة من الأشكال التي توضح فيها مصالح مجموعة الخصوم هذه كفاعلين، فسوف نجد أن مسارها أو هدفها يشكل إعاقة لهيدا نتيجة لاهتمامات المجتمع البورجوازي الذي يمثلونه.
إن المجتمع هو القوة التي تتحدى إرادة الفرد وتعمل كنظام منهجي للكبت الأبوي الذي يسفر في النهاية عن تدمير الفاعل الأنثوي.
إن تطبيق نماذج الأفعال على النصوص الدرامية يمدنا بمنهج مفيد لتعريف الأجرومية الكامنة لبنية المسرحية، وتطوير سلسلة من النماذج لفاعلين متعددين، أو النظر إلى التغيرات الوظيفية التي تحدث للأدوار الفاعلية actantial في إطار مسرحية ما- يمكن أن يفيد فهم الحركة البنيوية الكامنة، وتقدم لنا اوبرسفلد Obersfeld على سبيل المثال، نموذجاً فاعلياً متعدداً لمسرحية فيدرا، كما في شكل 3/3
ومن خلال تطبيق النموذج المتعدد، تستطيع اوبرسفلد أن تقدم طريقة لتوضيح البنية التحتية للمسرحية لكي تعمق من فهمنا للنص الدرامي. إنها تلاحظ أن النماذج تظهرنا على سبيل المثال على:
- علاقة الحب الموازية بين هيبوليت وأريسيا.
- سجل الفعل (رغبة هيبوليت) يفتتح المسرحية، والخطاب بين ثيرامينيس وهيبوليت يظهر البنية الكامنة.
- هيبوليت فاعل مرة ومفعول مرة أخرى، فيدر فاعل مرة وخصم مرتين.
- هيبوليت كمفعول يعارضه ابوه في كلا المخططين.
- خطط الحب تكشف عن النفوذ/ السياسية في المجتمع، والتي تختفي في ثياب عواطف الأفراد.
- ثيسيوس الملك الأب يظهر في النماذج الثلاثة كخصم، مدللاً على فشل كل مخططات الحب، إنه لا تبدو له سمات كفاعل، ولا يريد أي شيء حتى نهاية المسرحية.
إن اوبرسفلد تعمل من خلال أمثلة عديدة لنماذج أفعال مطبقة على نصوص درامية (تشتمل على تحليل للحركات المنعكسة في مسرحيات هاملت (1978: 93) حيث لايرتس وهاملت ذوات متوازية في مجال الفعل (المتعلقة بالانتقام لموت الأب) ولكي تزيد من فهمنا للبنية، وعلاوة على ذلك، تشير اوبرسفلد إلى الطرق التي يمكن لفهم الوظائف الفعلية Actantial للشخصية أن تمدنا بنقطة مرجعية مفيدة لهؤلاء الممارسين للحرفة المسرحية (1978: 144)، في حالة (فيدرا) مثلاً، فإن المخرجين الذين يعرفون “أجرومية” التراجيديا البنيوية يمكنهم أن يتخذوا قرارات تخص العناصر البنيوية التي يبرزونها في عرض ما.
فمن الممكن أن يختار أحدهم تأكيد دور الأب الغائب، بينما يبرز مخرج آخر المصالح السياسية وراء المشاعر القوية، وهكذا.
وما دامت الدراما تقوم على أساس من البحث، فإن نموذج الأفعال ينطبق عليها فوراً، وتستنير الأدوار الفاعلية التي تضطلع بها الشخصيات أو القوى، ومن الواضح أنه ليست كل الدراما مبنية بهذه الطريقة، وسيكون من قبيل الإخلال بالموضوع أن نفكر بهذه الطريقة كلية، على أية حال فإن هناك اهتماما آخر لابد من توجيهه إلى وظيفة الشخصيات، هي أيضاً تبعدنا عن المداخل السلبية والمضللة، التي تشجعها طريقة تحليل الشخصيات باعتبارهم أناس حقيقيون، كما يقول إيلام:
أن مدخلاً كهذا، هو على طرف نقيض بالتأكيد من النظرة “السيكولوجية” للشخصية التي شاعت في حقبة ما بعد الرومانسية، والتي لازالت موجودة في النقد الأدبي، الذي يرى الشخصية الدرامية باعتبارها شبكة معقدة وموجودة بدرجة أو بأخرى – من السمات الاجتماعية والسيكلولوجية، أي “شخصية” مميزة وليست وظيفة من وظائف البنية الدرامية. (1980- 131)
إن الأدوار الفاعلية Actantial roles هي عنصر واحد في عملية شديدة التعقيد هى عملية توظيف الشخصية ودلالتها.
إن اوبرسفلد تطور دراستها الفاعلية في فصل لاحق مكرس بأكمله للشخصية (أنظر 1978: الفصل الثالث)، حيث تشرع في تخطيط شبكة للشخصية ولتحديد الطرق التي يتم بها تأكيد العوامل السيميوطيقية والوظيفية المحورية، إننا نقدم هنا جدولاً ملخصاً للنتائج التي توصلت إليها (أنظر جدول 3/1) فيما يتعلق بالشخصية في مستوى النص، وتتضمن هذه النتائج (1) الشخصية كوحدة لغوية Lexeme (“وحدة أساسية من المفردات”) و(2) الشخصيات يوصفها كلاً سيميوطيقياً، (بالإضافة إلى الفئتين الذين نعرضهما هنا بغرض البحث، تغطى اوبرسفلد أيضاً منطقة ثالثة هي الشخصية والخطاب).
وتشير دراسة اوبرسفلد إلى تحليل الشخصية. كما تشير المحاذير التي تضعها قبل تخطيط شبكة الشخصية والتي تصاحب الأجزاء التوضيحية، إلى الحاجة إلى الوضع في الاعتبار كل هذه النطاقات معاً والبحث عن علاقات وتفاعلات: أن نلاحظ على سبيل المثال، الوظائف المترابطة والمعقدة الخاصة بالشخصية في علاقتها بالأدوار الفاعلية actantial أو التمثيلية actorial، علاوة على ذلك، عندما نقوم بدراسة أية شخصية في مسرحية ما، فإننا نحتاج إلى أن نأخذ في الاعتبار علاقة الشخصية بباقي الشخصيات وعلاقتها بالوظائف والأساليب الدلالية المتعددة. وأخيراً، فعلى المرء عندئذ أن يبدأ من النصي Textual إلى تجسيد الشخصية على خشبة المسرح كما تقول شبكة اوبرسفلد الأصلية، وأن يضيف مستويات الأداء الدلالية والوظيفية إلى معادلة الشخصية. (أنظر جدول 3/1)
جدول 3/1
نحو سيميوطيقا للشخصية: اوبرسفلد
| الفاعل actant
الكناية metonymy
الاستعارة metaphor المرجع refernt الايحاء connotation
الوظيفية التمثيلية Function Actorial
التفرد Individua lisation الجمعية Collectivisation |
1- شخصية كمفردة Lexeme
للشخصية وظيفة “أجرومية” في البنية الدرامية وتتأسس صورتها الفعالية، مثلاً هيدا جابلر هي ذات لقوة الحياة/ الحب، لكن لها أيضاً وظيفة مناوئة إذا أخذنا مصالح تيسمان الخ، في الاعتبار كذات، Subject. تؤدى الشخصية وظيفة كجزء من كل أكبر، أو وظيفة الكناية. مثلاً بيرتا الخادمة، ككناية على منزل تيسمان في مسرحية هيدا جابلر. قد تؤدي الشخصية على مستوى استعاري ومستوى الكناية أيضاً، مثلاً تيسمان كاستعارة لقوة القمع الأبوي. يمكن قراءة الشخصية كمرجع تاريخي سوسيولوجي استعاري أو كنائي، مثلاً تيسمان هو علامة تشير إلى المجتمع البورجوازي في القرن التاسع عشر (لمتابعة هذه النقطة، يحتاج المرء إلى أن ينتقل إلى ما وراء النص، إلى مستويات التشفير وحل الشفرة في سياق العرض). إن دلالة الشخصية تضع سلسلة من المستويات الإيحائية، مثلاً شخصية مستمدة من أسطورة مثل أوديب أو فيدرا، يمكن أن تعطى في مستوى إيحائي، عناصر أسطورية غير المكتوبة فعلاً في النص (نكرر، قد تستغل المستويات الإيحائية في الإخراج أو يتم تأكيدها). 2- الشخصية بوصفها كلا سيميوطيقيا حيث يشكل الفاعل actant وحدة دلالية من وحدات القص فإن الممثل عندئذ يلعب دور الوسيلة الفعلية والمباشرة للاضطلاع بالدور الفاعلي، مثلاً يوصف الفاعل المضاد في هيدا جابلر الممثل acteur (تيسمان مثلاً) وبينما يلعب عدة ممثلين نفس الوظيفة الفاعلية ففي مستوى ما، تتحدد الفروق بينهم، مثلاً علامات الطبقة الاجتماعية والعمر والمكانة.. الخ. استخدام السمات التي تحدد الفروق قد تدل على الشخصية الفردية كما في المسرح “البورجوازي”. وقد تشير تسمية الشخصيات (أنظر ص45- ص46) إلى ذلك. ودور الفرد قد يشير أيضاً إلى الدخول في سياق تاريخي سيوسيولوجي (والأمثلة الواضحة على ذلك هي عندما تدخل شخصية تاريخية مسماة في قصة درامية). قد يعمل تمثيل الشخصيات بطريقة مضادة للاهتمام بالشخصية في حد ذاتها. ومن المهم هنا الشخصيات التي تؤدي وظيفة كدور شفر، أي تعطي دوراً مقرراً سلفاً لتلعبه، مثلاً الشخصيات في الكوميديا ديللارتي، أو في الميلودراما. الليدي أودلي هو دور الشرير المشفر، أما روبرت أودلي فهو البطل.. الخ) والشخصيات التي تؤدي دورها كتجريدات ثقافية سيوسيولوجية (بطريقة بريشت)، وتحديد الشخصية عن طريق القناع. أنظر ص133). |
الشخصية والإطار
في إطار مناقشته لبناء العالم الدرامي، يعزو إيلام، متبعاً ايكو، إلى المتفرج الافتراض بأن “العالم الممثل، ما لم يشر إلى خلاف ذلك، يتبع القوانين الفيزيائية والمنطقية” الخاصة بعالمه. ومن ثم، فهناك درجة ملحوظة من الملائمة بين عالم درامي والشخصيات التي تعيش فيه، وعالم المتفرج (1980: 904) وانطلاقاً من هذه الرؤية فإن التجريدات الشخصية التي تشكل الشخصية الدرامية في مسرحية أخلاقية من العصور الوسطى مثل (كل حي)، أو الشخصيات المجردة من طبيعتها في نص حداثي مثل (لعبة النهاية)، تعمل على وضع المتفرج بحيث يتأمل في فهمه للعالم الخارجي، بدلاً من أن ينفصل عن ذلك العالم كلية.
وفيما يتعلق بمواءمة الشخصيات التاريخية للعالم الدرامي، يناقش “إيلام” إلى أي أحد يمكن أن تعتبر هذه الشخصيات شخصيات فردية عندما يعاد وضعها في سياق قصصي. إنه يتبنى معياراً وحيداً هو “السمات الجوهرية المحددة ثقافياً لمثل تلك الشخصيات مجادلاً بأن “أي نص، مع الإشارة إلى كليوباترا، يصور البطلة بهذه الملامح الجوهرية، فإنه يؤكد على الشخصية التاريخية، مهما كانت التفاصيل “غير التاريخية” في حالة كليوباترا أو “نايلون” قد يكون الاسم في حد ذاته كافياً لإطلاق المخزون المعرفي الثقافي لدى المتفرج. أما بالنسبة للشخصيات الأقل شهرة والمستمدة من التاريخ. مثل الثلاثي الذي يظهر في المشهد الافتتاحي من مسرحية (فتيات قمة) (وهم البابا جوان، والليدي نيجو وايزابيللا بيرد) فإن قضايا الخصوصية التاريخية قد تخضع لاعتبارات بنيوية، إن المشهد المذكور يهدف إلى مزج شخصيات مستمدة من الفن والأدب.
ويترتب على ذلك، كما يتضح من هذه الأمثلة المتعددة، إن منطق تحديد الشخصية والتمثيل ليس بالضرورة هو نفس منطق العالم الخارجي، وأن العالم الدرامي الذي يهدم المنطق الخارجي قد يظل مع ذلك مقبولاً بالنسبة للمتفرج. ويستشهد إيلام بمسرحية بيرانديلو (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) حيث يدخل سداسي الشخصيات التي تحمل المسرحية اسمهم، من العالم الواقعي خلف المسرح، لتغرى بإكمال سردهم الدرامي الذي لم يكتب منه سوى مشهدين فقط (إيلام 1980: 109- 110) إن الشخصيات تشارك في مشاهدها، وتتفرج على المشاهد التي يؤديها باقي أفراد الفرقة المسرحية في نفس الوقت.
إن العالم الواقعي الذي يفترض أن الشخصيات تنحدر منه، هو عالم وهمي، امتداد خارج المسرح للعالم الدرامي المشار إليه (انظر أيضاً الفصل الرابع في الحوار: السمات والوظائف) أن مدخلاً خادعاً Loeil- trompe إلى تمثيل الشخصية يفيد كوسيلة لإدخال المتفرج في المناقشة الممسرحة حول جماليات العرض وأخلاقياته.
الوظيفة بوصفها تقليداً
بما أن الحبكة في الدراما التراجيديا الإغريقية، تتألف من خلال إعادة ترتيب المادة المتلقاة في شكل أسطوري، فمن الواضح أن الشخصية قد أكتسبت لنفسها وظيفة سردية من بدايات المسرح، وأن ريبرتوار العمليات التقليدية التي تتحكم في توصيل المعلومات إلى المتفرج قد تطورت بمرور الزمن يلي إشارة إلى التقاليد السردية الأولية.
1- تقديم الذات: إن الشخصية قد تقدم نفسها في بداية المسرحية كما يفعل أوديب في مسرحية (أوديب ملكاً) (السطور من 7 إلى 9) وتقدم المعلومات المكملة بما يتلاءم وتطور الحدث. لقد لاحظنا في الفصل الثاني، فيما يتعلق بمسرحية (الأم) أن النص الدرامي الراديكالي” يميل إلى تحطيم هذه التقاليد.
2- العرض Exposition: ينثر المعلومات الضرورية من أجل فهم المتفرج للحدث المتكشف، أي الوقائع والحقائق المتعلقة بالزمان والمكان والحدث والشخصية- وذلك في بداية المسرحية. ويمكن تقديمها في صورة مونولوج أو مناجاة تلقيها شخصية مسماة أو غير مسماة (مثلاً الرسول في مسرحية كل حي، وفالسوفا في مسرحية الأم أو في شكل حوار (مثلاً الحوار بين هيبوليتوس وثيرامينيس في مسرحية فيدرا).
3- تعليق الكورس: المعلومات الضرورية لكي يفهم تطور الحدث توزع بشكل منتظم. ويمكن تقديمها بواسطة شخصية أو شخصيات في إطار القص أو خارجه، أو بواسطة كورس ذو شخصية جمعية (مثلاً مواطني طيبة في أوديب ملكاً، العمال الثائرون في الأم). وفي النص البورجوازي، يعتمد كل من التمهيد وتعليق الكورس- على الحوار، للحفاظ على الأسلوب الطبيعي.
4- الشخصية ككاتم أسرار: هناك طريقة أكثر تقليدية لتوصيل المعلومات هي توافر شخصية ثانوية يمكن لشخصية أهم منها أن تثق فيها. وهناك أمثلة على تلك الشخصية هي سيليا/ روزالند، آدم وأريسيا في (فيدرا)- وهذه الأمثلة توحي بأن شخصية كاتم الأسرار هو صديق أو خادم من نفس الجنس، للشخصية الرئيسية.
5- الشخصية باعتبارها نقيضاً: يمكن أيضاً لشخصية ثانوية أن ترتبط بشخصية رئيسية كوسيلة من وسائل التضاد، سواء كوسيلة لإشارة إلى التشابه (على سبيل المثال آنيا/ فاريا في بستان الكرز) أو الاختلاف (مسز الفستيد/ هيدا في هيدا جابلر) (انظر ويلسون 1976: 196، للتشبيه بالتصوير).
6- الإله يخرج من الآله Deus ex machine: في المسرح الإغريقي، كانت تستخدم آله تشبه الرافعة لإنزال إله على سطح المبنى المسرحي من أجل حل تعقيدات الحدث عند نهاية المسرحية. وهناك وظيفة مماثلة لعبتها روزالندا التي ترتدي ملابس إمراة من حديد في مسرحية (كما تحب) الفصل الرابع.
7- الشخصيات الصامتة: إن المعلومات السردية يمكن توصيلها بوسائل بصرية، فمسرحية أوديب ملكاً تفتتح بصورة مسرحية حية، صورة التضرع، كما يفتتح الفصل الثالث من (بستان الكرز) بمحاكاة مضحكة لحفل راقص رسمي. في كلتا الحالتين، هناك تعلق لفظي مترتب على الحدث. وعلى العكس، فإن أداء كلوف الإيمائي في (لعبة النهاية) يظل باهتاً ومبهماً.
8- أسماء الشخصيات: أن التأكيد على دلالة الأسماء هو تحصيل حاصل ومع ذلك فإننا نوضح أن أسماء شخصيات المسرحية تكتسب دلالة بعدة طرق تتعلق بالوظيفة الإعلامية للشخصية. إن اسم أوديب يشير إلى “متورم القدم”، وهي إشارة إلى الطفل اللقيط المكبل بالقيود ونص المسرحية يتلاعب بالاسم باستمرار، مثلاً بتغيير في النبر، يمكن للكلمة أن تنطق “ذو القدمين” وهو حل لغز أبي الهول (فيرجسون 1972: 181: 182). إن المصطلح الذي يترجم بكلمة ملك ينقل معنى الحاكم المطلق الاوتوقراط. وأسماء المجردات التي تكتسي باللحم والدم في مسرحية (كل حي) تشير إلى مستوى رمزي يؤدي دوره في المسرحية. أما شخصيات لوبو وسير أوليفر مارتكست في (كما تحب) وكورتيه والموظف القروي، فإنها تمارس وظيفة ساتيرية.
إن القارئ/ المتفرج يعرف الاسم الأول والأخير لكل الشخصيات ما عدا حالتين، إذا تأملنا الشخصيات الدرامية في هيدا جابلر فنجد براك والقاضي يشار إليهما بشكل رسمي دائماً، أما بيرتا خادمة تيسمان فيوجه إليها الحديث، على نقيض من وظيفتها- باسمها الأول فقط. وفي مسرحية (الأم) تسمى الشخصيات الثانوية بانتظام حسب الوظيفة، وبالتالي الوضع الطبقي (مثل رجل الشرطة، وحارس المصنع، والجزار وغيرها) أما في (لعبة النهاية) فإن اسماء الشخصيات تشكل لغزاً آخر.
الممثل / الشخصية
إن أي محاولة للتمييز بين “الشخصية character (أي السيكولوجيا المبنية structured psychology) ووظائف الشخصية (البنيوية والايدلوجية والمسرحية وهكذا) في الدراما لابد أن تأخذ الممثل في اعتبارها. أن الممثل في السياق المسرحي يلعب دور الوسيط الذي تنقل الشخصية عبره إلى المتفرج وبينما يمكننا أن نؤكد على أن أسلوب الأداء والعلاقات بين خشبة والمتفرج تتسم بخصوصية تاريخية وثقافية، ففي كل عصر من عصور تاريخ المسرح، يكون الممثل بشخصه القناة الأولى التي تصل من خلالها الشخصية، ولو أديت وظيفة الممثل بوسيط غير حي مثل دمية (هونزل 1976: 75) أو الآلات التي قام اوسكار شليمر Schlemmer بتصميمها (فون ماور Von Maur 1982: 213- 125) فإنها لن تتغير تغيراً مادياً.
في مسارح الهواء الطلق القديمة، كان الممثل وهو يلعب دوره يؤدي وظيفة علامة للشخصية. وحالما انتقل الممثل إلى مسرح مغلق (لأغراض تجارية في نهاية القرن السادس عشر) فإن الفرق بين الواقع والدور يبدأ في التميع، بحيث وضع المتفرج موضوعاً ينخرط فيه أفعال تتعلق بالتوحد في العصر الحديث، فإن الفضاء انفتح مرة أخرى بين الممثل والدور. والمتفرج الآن في موضع على مسافة نقدية من الوهم الدرامي، بتوحيد النص الدرامي الراديكالي وجماليات الأداء غير الإيهامي ويمكننا أن نميز ثلاثة طرق أدائية بسرعة هنا في علاقتها بالأشكال النصية المعنية:
الشكل النصي طريقة الأداء (العرض
1- نص كلاسيكي تمثيل تقليدي
2- نص بورجوازي تمثيل محاكي
3- نص راديكالي تمثيل تفكيكي
وسوف نتتبع هذه القضايا بتفصيل أكبر في الفصل الخامس.
ويمكننا أن نلاحظ ملاحظة عابرة أن الفرق بين الطريقة الثانية والثالثة قد تأكد تاريخياً على مستوى تدريب الممثل ومن ثم، فإن الممثل عند ستانسلافسكي يعتبر فناناً يمكن من خلال عملية التدريب والمناقشة، أن يصبح أثناء العرض الشخصية التي يلعبها ويبدو التناقض بينه وبين الممثل البريشتي المسَّيس- حاداً:
منهج ستانسلافسكي منهج بريشت
الممثل فنان الممثل عامل
الممثل شخصية الممثل راوٍ
التعبير الداخلي التعبير الخارجي
السيكولوجية السياق الاجتماعي
التوحد التفكك
التأكيد الأيدلوجي الجدل الأيدلوجي
إن الشخصية، باعتبارها تقدم إلى المتفرج عن طريق الممثل الذي يلعب دوره، تتضمن ثلاثة مستويات متميزة من الأداء: فالممثل يلعب الشخصية التي تؤدى وظيفة (1) كبناء سيكولوجي (2) كرمز موضوعي thematic أو مفتاح أيديولوجي أو الاثنين معاً (3) كصورة في مرآة للمتفرج الفرد. وسوف يتضح أن هذه الفئات ليست مغلقة، وأنها تعد تعليمات وأنها يمكن أن تلعب دورها في آن واحد. إن شخصية أوديب مرسومة بأحكام إذا نظرنا إلى الخطوط العريضة، فيمكن قراءتها كتوظيف للمساواة الموضوعية بين الطموح الإنساني والعقاب الإلهي، وفي سياق مجموعة من القيم الدينية والسياسية. ويمكن على هذا الأساس قراءتها باعتبارها نموذجاً. فالمتفرج الفرد الذي يسكن نفس العالم الميتافيزيقي مثله مثل أوديب المفسد ويتعرض بالمثل لنفس القوانين. ويمكن أن يجادل بعضهم قائلاً فضلاً عن ذلك أن أوديب يمثل جماعة المتفرجين وبالتالي يمثل اثينا كلها، والتي هي قوة امبراطورية متغطرسة، حل بها الطاعون فعلاً وتورطت في حرب هيللينية، أدت إلى دمارها في نهاية المطاف.
إن الممثل وهو يؤدي دوره يواجه بإمكانية لعب الدور على مستوى الشخصية وبما أن الممثل يملك استعارة خشبة المسرح التي تمثل العالم- فإن الممثل سيؤدي أداء أكثر مصداقية مقارنة بكونه لا يفترض دوراً أو أدواراً في إطار تطور الحدث. ومن جديد فإن المستويات الثلاثة موجودة:
1- الممثل يلعب الشخصية التي تلعب دوراً بشكل “منعكس”، أي كامتداد ممسرح “للأداء الاجتماعي” social acting“. ففي (سر الليدي أودلي) تؤكد الليدي أودلي التي تزوجت من أجل الثروة (245) على دور المرأة الوفية المخلصة.
2- يلعب الممثل شخصية يفترض أنها هوية ثانية، بارتداء القناع أو وسائل أخرى ففي (كما تحب) تحمي روزالند المطرودة نفسها في المنفى بالتنكر في شخصية شاب هو جانيميد.
3- يلعب الممثل شخصية تشارك في فعل شكلي من المستوى الثاني، أي مسرحية أو تنكر داخل المسرحية. أن مسرحية مصرع جوانزاجو التي تدور داخل مسرحية (هاملت)، والقناع المزدوج في مسرحية (تراجيديا المنتقم) The Revenger’s Tragedy وهي فواصل مبتكرة للكشف عن جريمة قتل وارتكابها على التوالي، تعد مثالاً واضحاً في هذا الصدد.
إن التمثيل “الداخلي” يلفت النظر إلى وضعه الخاص كتمثيل، فهو يفكك عملية الأداء ويكشف عن الممثل الكامن وراء الشخصية. انه أسلوب متماسك إلى حد بعيد من أساليب الأداء، ويشيع بصفة خاصة بالنسبة للنص الراديكالي”. في مسرحية أوبوللينير (ثديا تيريزياس) على سبيل المثال فإن تغيير جنس تيريز يشار إليه بفقدانها لثدييها، أي علامة الأنوثة هنا. إنهما ينفصلان عن جسدها في شكل بالونات ويطيران بعيداً وعلى حد تعبير “وايتسايد” فإن البالونات تحيلنا إلى كونها اكسسوارات مسرحية، كأشياء مصنوعة تشير إلى ذاتها في عملية تتسم بالإحاطة إلى كونها الذات Self reference تطير بين استقلاليتها الخاصة والخنوثة (1988: 35).
الشخصية والسيكولوجيا
كما لاحظنا، بالإشارة إلى سترندبرج، فإن أهم ما يميز النص البورجوازي إلى حد بأن مدخله إلى تمثيل الشخصية يقوم على علم السيكولوجيا الناشئ. وكان رد الفعل النقدي في استجابته لهذا التطور الجديد، مشجعاً وحماسياً، وسع مجال الدرس ذي المنحى السيكولوجي للأدب الدرامي في عصور سابقة. وكان لأعمال أ.س. برادلي مثل (التراجيديا الشكسبيرية) (1961) (1904) والذي تعامل مع النصوص عملياً باعتبارها دراسة حالة لأشخاص “حقيقيين”- كان لها تأثير ملموس لدرجة أن الشخصية كانت تعتبر موضوعاً للدراسة في حد ذاتها، وليس أداة موضوعية وبنيوية. وتعقدت المشكلة بممارسات القراءة التي أبهمت الفروق بين الرواية والنص المسرحي، بفشلها في إدراك أن الكاتب المسرحي يهتم عموماً بتقديم معلومات عن الشخصية تكفي لأن تمكن القارئ/ المتفرج من أن يصنع معنى للحدث في أي لحظة. إن الشخصيات الدرامية ليس لها وجود بعيداً عن مشاهدها، وليس لدى الكاتب الدرامي دافع لأن يقترب من عمق وتفاصيل رسم الشخصية الذي كان نمطياً في الرواية الواقعية في القرن التاسع عشر.
ولقد كان لأحد فروع السيكولوجيا، وهو التحليل النفسي، تأثير خاص على النقد الأدبي والدرامي. فمن ناحية لجأ المحلل النفسي إلى النص الدرامي أو الأدبي، لكي يعمم ملاحظته الأكلينيكية ويثبتها، أو لكي يصنع شيئاً موازياً للممارسة الأكلينيكية (السريرية) ومن ناحية أخرى، فإن الناقد النصي أصبح مرتبطاً أكثر فأكثر بالعلاقات التي لابد من تحديدها بين نظرية التحليل النفسي ونظريات الأدب والفنون.
ويشير فرويد في مقالته المنشورة عام 1916 بعنوان (بعض الشخصيات- الأنماط التي التقيتها في عملي في التحليل النفسي) إلى ابسن باعتباره الكاتب الدرامي “الذي يحب البحث في مشكلات المسئولية النفسية بصرامة وقسوة” (1985: 308) قبل الشروع في تحليل لشخصية ريبيكا وست في مسرحية ابسن (منزل آل روزمر) Rosmersholm. إن فرويد يحاول هنا أن يقدم حالة ريبيكا باعتبارها موازية للمسار الأوديبي عند الطفل الذكر، لتوضيح علاقة محرمة مع أبيها ورغبة لا واعية في لعب هذا الدور، وما يصاحب ذلك من تجريدها من “الأم”، في علاقتها بصورة الأب عند روزمر. وبينما يقدم هذا المثال وجهة نظر في استخدام المحلل النفسي للنص الدرامي، فإنه أيضاً يؤكد على الخطر المماثل في إساءة القراءة لدرجة أنه يبدو على حافة التصلب والجمود. أن دكتور وست هو زوج أم ريبيكا وليس والدها، والتأكيد على علاقة جنسية بينها وبينه لا يأتي إلا في مناسبة واحدة فقط، ثم أن ذلك يكون بواسطة شاهد غير محايد.
لقد لاحظ فرويد مجدداً أن كثيراً من الملاحظات الأكلينيكية والمواقف النظرية قد تنبأ بها الكتاب المبدعون. ويسعى جورج ديفيرو devereux في مقالة منشورة عام 1970 بعنوان (مشهد العلاج النفسي في مسرحية عابدات باخوس ليوربيدس) إلى توضيح المعقولية الأكلينيكية للمشهد الذي يخلص فيه كادموس أجيف من لعنة ديونيزوس، من خلال “التحليل النفساني الخالص”. وينتهي ديفيرو إلى أن المشهد “مقنع جداً من الناحية الاكلينيكية” لدرجة أنه يمكن أن يقارن بأي ملخص حديث لعلاج سيكولوجي يكتبه معالج نفسي محترف، وإن ملاحظة الكاتب المسرحي ووصفه لكل من المرض النفسي والعلاج دقيق وصحيح. (1970: 47- 48).
وبالنسبة للنقد الأدبي القائم على أساس التحليل النفسي، يقدم تيري ايجلتون أربعة مستويات من التطبيق: “يمكن أن يركز على مؤلف العمل، أو على محتويات العمل أو بنائه الشكلي، أو القارئ” ويلاحظ أن النقد في هذا المجال يتوجه إلى الموضوعين الأولين بنسبة كبيرة وتوصل إلى نتائج محدودة (1983: 179) أن التحليل النفسي للكاتب هو نشاط تأملي يشبه البحث عن القصدية. والمثال المتطرف الموجود في افتراض أن الشخصيات المتباينة يجب أن تقرأ باعتبارها إسقاطات لتناقضات المؤلف التي لا يمكن حلها، هذا المثال يمكن أن ينتهي إلى أن “شكسبير كان عطيل وياجو في نفس الوقت”. جريفيث 1982: 58).
إن المداخل التي تتوجه إلى المضمون غالباً ما تتعامل مع الدافع اللاواعي للشخصية أو الدلالة الرمزية للأشياء، وغالباً ما تميل ناحية ما هو مختزل أو ساذج. والاهتمام ما بعد البنيوي المعاصر بالتطبيق الأوسع شمولاًَ لنظرية التحليل النفسي و انتاج كيان من العمل النقدي الواعي والمتزن (أنظر مثلاً دونالد 1983 ورايت 1984 وبورجن 1986 وريمون كينان 1987 وفلد ستاين وسوسمان 1990) الذي يطرح مناهج أكثر فاعلية لتحليل النص الدرامي في ذاته، وتحليل عمليات القراءات والمشاهدة.
(4)
الحوار
لأن المناهج السيميوطيقية والبنيوية في دراسة النص الدرامي قد أسست الشخصية باعتبارها أوهاماً Fictions مبنية من خلال اللغة، وتناولت بالنقاش طرق الدراسة السيكولوجية، التي تمحو الفرق بين البنية الدرامية والشخص الواقعي، كما تبين لنا في الفصل السابق، فقد ترتب على ذلك أن مثل هذه المناهج يتعين عليها أن تهتم اهتماماً تفصيلياً بطرق الحوار التي من خلالها يخلق الوهم الدرامي. والهدف الأساسي للسيميوطيقيين بالنسبة للنص الدرامي هو فهم وتحديد الخصائص الأساسية للخطاب الدرامي.
ولكي نبدأ العمل في سيميوطيقا الحوار، فإننا لابد أولاً أن نميز بين الجسم الأساسي للنص الدرامي وبين النص الذي يتضمن الإرشادات المسرحية. هذا التمييز صاغه رومان انجاردن Ingarden في صورة النص الرئيسي Haupttext والنص التالي على التوالي لهذين “النصين” وبطبيعة الحال فإن التداخل سيحدث وخاصة فيما يتعلق بتلك الإرشادات التي توظف لتوجيه الحديث.
إن فهم عمليات نظام العلامات اللغوي هو جزء ضروري لتعميق تحليلنا للكيفية التي يقوم بها نص درامي ما بعمله. وفي نفس الوقت، فإن الدراسات اللغوية التي تتبنى مدخلاً لغوياً قد تؤدى إلى الكثير من الرطانة وسوء الفهم، لذا فعلينا أن نحرص على تفادي هذا. علاوة على ذلك، تنشأ مخاطرة أخرى إذا وضعنا تفسيراً يضع استخدام اللغة في المرتبة الأولى على حساب التحليل الدرامي (أنظر بيرتون 1980)، على الرغم من هذه المخاطر، فإن هذا المدخل أفضل وأهم وأكثر فائدة من المداخل التقليدية للدراما، والتي تظل في جوهرها وصفية (أنظر مثلاُ هيمان 1977، وجريفيث 1982) وتفشل في تجاوز التطابق بين تأثيرات اللغة وتحليل الطريقة التي تتحقق بها هذه التأثيرات. ونحن ندفع بأن تحليلاً سيميوطيقياً للغة، إذا ما استخدم على نحو معقول، يمكن أن يظهر لنا كيف تخلق هذه التأثيرات، وكيف يمكن الاستفادة منها بشكل منظم وواضح وليس بشكل مخل أو عشوائي أو وصفي.
وسوف نتبنى مدخلاً منهجياً لتحليل الحوار، بهدف تحديد السمات الأساسية والوظائف الرئيسية للطرق التي يستخدم بها الحوار لبناء الخطاب الدرامي، ونستخدم إطارنا النوعي السياقي القائم على الأطوار التاريخية الثلاثة للدراما.
الحوار: سمات ووظائف
إن دور الحوار في النصوص الدرامية عموماً هو تحديد الشخصية والمكان والفعل ويبني الحوار، في شكله الأكثر شيوعاً، بنظام “الدور” taking – turn. أي أن هناك شخصية توجه الحديث إلى شخصية أخرى. تنصت ثم تجيب بدورها، وتتحول إلى متكلم. إن ثنائية المتحدث- المستمع التفاعلية هي طريقة أساسية في الحوار الدرامي، وهي طريقة يمكن إرجاعها إلى تبادل عبارة بعبارة في التراجيديا الإغريقية، وهي تؤلف شكلاً أساسياً لتتابع ممثل بممثل، وكذلك بالنسبة لمن يؤدي دور قائد الكورس أي الممثل الرابع.
مثلاُ، في أوديب ملكاً:
أوديب: لكنك تعرف أكثر مني
لابد، فقد رأيت الرجل من قبل.
القائد: أنني أعرفه بالتأكيد أنه من رجل لايوس
راع أمين.. إن كان هناك راع أمين: 225).
إنها طريقة أشارية deictic أساساً كما يقول إيلام: “إن ما يسمح للحوار بأن يخلق جدلاً متبادلاً. ضمن زمان الخطاب ومكانه هو الإشارة: (1980: 139) إن الإشارة deixis هي الوسيلة التي تبني بواسطتها التبادلات بين أنا وأنت. الخ..) وظروف الإشارة (هنا الآن.. الخ..) يستخدمها المتكلم لكي يشير إلى نفسه، وإلى الآخرين والسياق الذي يضمهم معاً، في عملية التواصل (1980: 72- 73) باختصار “من المهم الآن أن نلاحظ أن الدراما تتكون أولاً وقبل كل شيء هكذا: “أنا” يخاطب “أنت” “هنا” و”الآن”. (نفس المرجع: 139). ومن خلال هذا التبادل الإشاري تحقق الدراما أبعادها الثلاثة الخاصة بها، وتكسي العظام العارية باللحم. إن المتحدث- المستمعين “يشيرون” ليس فقط إلى العالم “الواقعي” أو المحاكي (أي المرئي مجسداً) وإنما إلى شخصيات أو أحداث أو أماكن غير مرئية، بحيث تصبح جزءاً من العالم الخيالي من خلال الإحالة (من أجل المزيد من المناقشة التفصيلية للأماكن المحاكاة والحقيقية انظر ايزا كاروف Issacharoff: 1981)
وبينما يحدد استخدام الإشارة المتكلمين والمكان الذي يتكلمون فيه، فإن تتابع الكلام محوري أيضاً بالنسبة للفعل. إن الفعل في الدراما قد درس غالباً من ناحية الفعل الخارجي، لكن السيميوطيقيين حاولوا أن يظهروا كيف يؤلف استخدام اللغة أيضاً شكلاً من أشكال الفعل. إن نظرية فعل الكلام act- Speech التي قام بتطويرها فلاسفة اللغة أو ستن وجرايس وسيرل وغيرهم) قد وضعت الأسس لهذا.
عن التحليل التفصيلي لتطور هذه النظرية وتنقيحها يبتعد بنا عن مجال هذا الكتاب ونطاقه، لكننا سنحاول أن نعرض بإيجاز لإمكانية تطبيقها على النص الدرامي. والمستويات الثلاثة من الكلام التي تهمنا هنا هي: المستوى الكلامي (التلفظ بعبارة لها معنى)، والمستوى غير الكلامي (الفعل المؤدى أثناء نطق العبارة، مثلاً التوسل أو الوعد، أو الأمر)، ومستوى الاستجابة للكلام (التأثير على المخاطب من خلال ما يقال، فعل الاقتناع مثلاً) ليس كل التلفظ ينطبق عليه استجابة الفعل ويؤدى البحث في الظروف التي تجعل من فعل الكلام لائقا، أي تتسبب في فهم ناجح إلى دعم عمل فلاسفة اللغة (أنظر سيرل 1969)
ولذلك فإن بحثنا في الحوار يبدأ بتحليل للطريقة التي يشير بها نظام العلامات اللغوي في النص الدرامي، بشكل فعال، إلى شخصيات العالم الدرامي في وضعية “هنا والآن” ويعمل كوسيلة لخلق الفعل من خلال الكلام. ولتصوير هذه النقاط الأساسية، دعنا نتأملها في علاقتها بالمقتطف التالي من (هيدا جابلر) حيث تظهر هيدا لأول مرة في المسرحية:
ميس تيسمان: (متوجهة إلى هيدا) صباح الخير يا هيدا يا عزيزتي. فلتنعمي صباح جميل.
هيدا: (باسطة ذراعها) ) صباح الخير يا عزيزتي الآنسة تيسمان. يا لها من زيارة مبكرة. إنها لفتة رقيقة منك.
ميس تيسمان: (تبدو وكانها تتراجع قليلاً) حسن هل نامت العروس جيداً في بيتها الجديد.
هيدا: نعم، شكراً، نمت بشكل معقول.
تيسمان: بشكل معقول! إنني أحب ذلك يا هيدا! لقد كنت تنامين مثل قطة الخشب عندما استيقظت أنا.
هيدا: لحسن الحظ على أية حال، فعلى المرء أن يعتاد على أي شيء جديد يا ميس تيسمان. بالتدرج (تنظر إلى اليسار) أوه لقد ذهبت الخادمة وتركت باب الشرفة مفتوحاً! إن أشعة الشمس تدخل بشكل رائع.
ميس تيسمان: (تتوجه إلى الباب) حسن فلنغلقه أذن).
هيدا: أوه، لا، لا تفعلي ذلك من فضلك (إلى تيسمان) فقط أنزل الستائر يا عزيزي، هل تفعل؟ إن ذلك يجعل ضوء الشمس ألطف.
ميس تيسمان: (عند الباب) نعم نعم حسن جيداً. ها أنت يا هيدا الآن لديك هواء نقي وظل أيضاً.
هيدا: نعم، نحن نحتاج إلى هواء نقي هنا بالتأكيد لكل هذه الزهور الغالية! ولكن- ألن تجلسي يا مس تيسمان؟
ميس تيسمان: لا شكراً جزيلاً الآن أعرف أن كل شيء يسير على ما يرام هنا الحمد لله! لابد أن أعود إلى المنظل. يالها من مسكينة، أنها تعاني من الملل وهي تستلقي هناك.
تيسمان: بلغيها تحياتي لها هلا فعلت؟ وأخبريها أنني سوف آتي لرؤيتها اليوم.
إن الطبيعة الإشارية التي تتسم بها التبادلات “أنا” و”أنت” بين الشخصيات الثلاثة تتضح على الفور، لأن هناك سياق “هنا والآن” المكاني. ولأن ظروف “هنا والآن” الخاصة بالمكان هي ما يؤلف موضوع الحوار الرئيسي، فإنها يشار إليها كثيراً في الحوار، وهيدا هي التي تتحدث عن بيتها الجديد (المكان) والتي تقوم بمعظم “الإشارة”:هواء نقي هنا. هذه الزهور.. الخ.
إذا واصلنا تأمل الحوار فيما يتعلق بمقولة الكلام كفعل، يصبح تصدر هيدا- المكاني والإجتماعي- واضحاً. إن التحية الأولى بين ميس تيسمان وهيدا هي مثال أول.فالدفء والألفة التي تميز تحية ميس تيسمان (التي تتأكد بالإرشاد المسرحي “تتوجه ناحيتها”) لا تحقق الاستجابة المستهدفة. إن هيدا تساير قاعدة السلوك المهذب بأن ترد رداً مناسباً لكن ردها يصاحبه حركه متباعدة (“تمد يدها”) وعبارة منطوقة أيضاً: “يا لها من زيارة مبكرة! إنها لفتة رقيقة منك” حيث ما يقال ليس ما يعني كما هو واضح. (أنظر سيرل عن فيتجنشتاين 1971: 46). إن استياء هيدا بشأن “مكانها” ومن هم فيه يستمر في التكشف في سلسلة من أفعال الكلام حيث يختلف ما هو ملفوظ عما هو معنى أو مقصود “أن أشعة الشمس تدخل بشكل رائع” هذه العبارة تبدو على مستوى ما وكأنها مقولة بسيطة لا تحتاج إلى إجابة ومع ذلك، فإنها تمارس قوة كلامية، كونها طلباً لأن يفعل شي ما، وهكذا فإنها تمارس تأثيراً خاصاً برد الفعل: تذهب ميس تيسمان لكي تغلق باب الشرفة وتوقفها هيدا وتطلب من زوجها أو بالأحرى تأمره بشكل مباشر بأن يسدل الستائر. إن سيطرتها أو وضعها الأعلى يبني هكذا من خلال الحوار (عن المكانة أنظر بيرتون 1980: 70). إن القوة غير الكلامية لطلباتها سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة تضعها في موقف سلطوي ومن ثم فعندما تسأل هيدا مس تيسمان إن كانت تحب الجلوس، فإن الأخيرة تكون قد شعرت بالضيق والاغتراب في المكان بحيث ترفض وبدلاً من ذلك فإنها تعلن عن عزمها على المغادرة لتلحق بشخصية غير مرئية (شقيقتها) في مكان غير مرئي (بيتها) وهذا من ثم يصور قدرة الحوار على توسيع حدود العالم الخيالي.
إن قراءة لهذا المقطع بتقاليد الممارسة النقدية الأدبية يمكن أن يخبرنا بشكل عام كيف قدمت هيدا باعتبارها الشخصية المسيطرة وتحددت سيطرتها على المشهد، بطريقة جعلت من تيسمان وشقيقته أدوات لتنفيذ رغباتها. وعلاوة على ذلك، فإن القراءة التي تأخذ في اعتبارها الخطاب الدرامي، سوف تقودنا إلى فهم للطريقة التي تحقق بها هذا التأثير الكلي خلال الأسطر التي أوردناها سابقاً.
إن ميزة القراءة التي تأخذ في اعتبارها الخطاب الدرامي، من خلال السطور التي أوردناها سابقاً، هي أنها، علاوة على ذلك، سوف تقودنا بشكل فعال إلى فهم للكيفية التي تحقق بها هذا التأثير الكلي.
الشعر والنثر
أثناء اختبارنا للخصائص المميزة للخطاب الدرامي، يمكننا أيضاً أن نقوم بتنظيم هذه السمات والوظائف وفق الأساليب العامة التي يتخذ بها الحوار شكله، وهنا تكتسب الاعتبارات النوعية أهميتها. لقد أخذت عملية تبادل الأدوار في المقطع الذي اقتبسناه من (هيدا جابلر) والتي تعتمد على تفاعل الشخصية مع الشخصية أو المتكلم أو المستمع- شكل الكلام العادي، على الرغم من أنها عملية فنية معقدة البناء، كما يدلنا التحليل. إنها عموماً الحالة التي يسعى فيها الحوار النثري ليحل محل اللغة العادية.
ومن ناحية أخرى، فإن الحوار الشعري، يتسم بحضور اللغة الفنية التي تظهر استخداماً خاصاً: الاستعارة والتشبيه والإيقاع وهكذا (التمييز بين العادي/ الفني مأخوذ من تودروف 1973). وبينما يمكن للخطاب الدرامي أن يوائم أيا من هاتين الطريقتين، فإن لاختيار الأسلوب تأثير ملموس على عمليات إنتاج المعنى.
وإذا تحدثنا عن التطور النوعي، فقد ارتبط الشعر قديماً بالتراجيديا وارتبط النثر بالكوميديا ومثلما أثرت المقولات النظرية الخاصة بالشكل “المثالي” على البني الدرامية، فإن طرق التعبير الدرامي قد ارتبطت أيضاً بمقولات خاصة بالأسلوب الملائم، فالتراجيديا في شكلها الكلاسيكي تبني عالماً درامياً يسكنه أشخاص ملكيون. حوارهم يتعين أن يكون وقوراً وسامياً سمو مكانتهم. لقد لاحظ أرسطو، في إشارته إلى الأسلوب التراجيدي، “إن أوضح أسلوب هو ذلك الأسلوب الذي يتكون من الكلمات التي تستخدم كل يوم، لكنه أسلوب مبتذل.. لكن الأسلوب الذي يستخدم كلمات غير مألوفة يتسم بالوقار ويسمو على مستوى الاستخدام اليومي” (1965: 62- 63). من غير المفترض أن يتحدث الملوك والملكات شعراً، لكن هذا تقليد من تقاليد شكل الحوار الذي يشير إلى العالم الدرامي الخاص بالأبطال والبطلات التراجيديين (لاحظ أنه عندما نريد أن نتحدث عن اللغة الانجليزية في شكلها الخالص، فإننا نتحدث عن “لغة الملكة الانجليزية”). وعلى العكس فإن عالم الكوميديا الخاص بالحياة المتدنية يناسبه أكثر التعبير عنه من خلال لغة الحياة اليومية التي تدل على “العادي والمبتذل”. وحتى تلك المسرحيات الكوميدية في التراث الكلاسيكي- التي تعتمد على الشعر أو على مزيج من الشعر والنثر (أريستو فانيس وبلاوتوس وموليير وغيرهم)- تسمح بقدر من “الابتذال” عندما تسمح باستخدام التعبير العامي أو التعبير المستمد من لهجة خاصة أو يستخدم الشعر كوسيلة للسخرية من التراجيدي (في مقابل تمجيد الكوميدي).
يمكننا أن نواصل التفكير في ملائمة أشكال الحوار في التراجيديا والكوميديا على أساس خطابها الأيديولوجي، وبشكل موجز يعتمد الخطاب التراجيدي على الحوارات الفلسفية المتعلقة بالخطأ والصواب. ويهدف إلى تقديم “حقائق” كونية لكي تعطي “معني” للحياة. هذه الحقائق بالضرورة خاصة بثقافة معينة وتتضمن على “سبيل المثال إعادة التأكيد على قوانين الآلهة والبشر في التراجيديا الإغريقية، أو “الآلهة الخفية” والمشاعر المحرقة في تراجيديات راسين. يتناقض هذا مع الكوميديا، حيث الخطاب اجتماعي أساساَ ويهدف من خلال المسرحية، إلى تدمير النظم التي يسعى المجتمع من خلالها أن يكتسب معنى وبناء. وفي الكوميديا يكون السلوك الاجتماعي خاضعاً للتدقيق، أما في التراجيديا فتخضع المعضلات الأخلاقية للنقاش. إن هذا الفارق الجوهري، مع الأخذ في الاعتبار مقولات الأساليب الملائمة، له تأثير كبير على عمليات خلق المعنى في الحوار. ويمكننا أن نناقش هذا مناقشة أكثر تفصيلاً بتطبيق استنتاجاتنا العامة على أمثلة معينة للتراجيديا والكوميديا التي ترجع إلى العصر “الكلاسيكي”.
الحوار والكلاسيكيات
في الفصل الثاني قمنا بتعريف الشكل “المتدرج والراسخ للتراجيديا الكلاسيكية، وأوضحنا الطريقة التي يحمل بها الفعل في الحبكة الضحايا التراجيديين إلى مصائرهم المحتومة. ومن الواضح أن إحدى الوظائف الأساسية للحوار هي تعميق هذا الحدث الخارجي. ومن الواضح إن إحدى الوظائف الأساسية للحوار هي تعميق هذا الحدث الخارجي، واللغة كما لاحظنا، قادرة على توليد الفعل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أهمية حادثة ما ربما تكمن ليس في الحادثة نفسها ولكن فيما يقال عنها. فحين يقتل ماكبث في النهاية على يد ماكدوف فإن مقتله لا يعني الكثير، ولكن الأهم هو الحقائق التي تنكشف بعد مقتله. إذن لابد أن يكون الحوار مبنياً بطريقة تجذب الانتباه إلى مضمونه. ولنتأمل الكلمات التي تقولها فيدرا وهي تحتضر في المشهد الأخير من المأساة:
فيدر: لم يبق من عمري غير لحظات قصار، فأصغ إلى ياثيسيوس: أنا التي دفعتني القحة إلى التطلع بعين دنسه، زانية إلى ابنك الطاهر البار. فقد أشعلت السماء في قلبي نيران عاطفة مشئومة، تعهدتها إينون الملعونة، ثم خشيت أن يفضح هيبوليت- وقد عرف ما أجد- سر هذا الهوى الذي عافته نفسه، واستغلت الغادرة ضعفي الشديد، فأسرعت إليك تلقي التهمة عليه. ولقد كفرت عن جرمها، وفرت خشية غضبي تلتمس في أمواج البحر عذاباً هو أرحم ما يكون العذاب! وكان في استطاعتي أن أقضي على حياتي بالسيف، ولكني تركت الفضيلة المظلومة تهز بصرخاتها أركان ضميري، وأردت أن أنشر بين يديك صحيفة ندمي، لأطيل عذابي، وأنا أهبط إلى عالم الموتى. لقد تجرعت سماً جاءت به الساحرة “ميديه” من أثينا، وتركته ينساب في عروقي الملتهبة، وها هو ذا يصل إلى قلبي فيشيع فيه، وهو يحتضر، برداً عهد لي ب. والآن لم أعد أرى السماء والزوج اللذين يؤذيهما وجودي، إلا من خلال غشاوة. ألا إن الموت قد استلب النور من عيني، وكانت نظراتهما تلطخ وضح النهار، فعاد إليه صفاؤه ونقاؤه كاملاً.(1)
وعلى الرغم من أن هذه الكلمات موجهة إلى زوجها، فإنها توحي بشكل الخطبة. أن طول الخطاب يتعارض مع تتابع وتبادل الأدوار التقليدي الخاص بالحوار- المنطوق. إنها لا تتطلب تفاعلاً أو استجابة، وإنما تؤدي وظيفتها باعتبارها تؤلف اعترافاً بالذنب على الملأ.
إن ما نجده هنا هو الحوار مؤلفاً بلغة فنية. لقد عرفت أريكا فيشر ليشته “الشكلين المتناقضين عن الحوار الدرامي الأدبي “كمال يلي” “الأول يتسم بسيادة السمات اللغوية الشائعة في اللغة المكتوبة، والثاني يتسم باستخدام هذه السمات السائدة التي ترتبط باللغة المنطوقة”. (1984- 139) وكمثال على الشكل الأول فإن المسرحيات الغنائية التي تنتمي للرومانسية أو الرومانسية الجديدة تفي بالغرض، ويتضح الشكل الثاني بالإشارة إلى الدراما الطبيعية. ومع ذلك فكم المؤكد أن هذه الأشكال ليست أشكالاً نقية، وأن ما يحدث عموماً في الدراما هو مزيج من الاثنين. وتنتمي مسرحية (فيدرا) بقوة إلى الفئة الأولى: فالعلامات اللغوية في الحوار تتسم بخصائص اللغة الفنية مقابل اللغة العادية أو المنطوقة، وتعمل كدوال على مكانة الشخصيات في عالم التراجيديا. إن الحوار مفعم بالمفردات الخاصة بالنور والظلمة، الطهر والتلوث، وهي صور نمطية في الاستخدام الشعري الخاص للغة في المسرحية التي يدعمها في النص الأصلي استخدام بنية الشعر السكندري الكلاسيكي.
عندما يؤدى هذا النوع من الحوار، فغنه يلقي على حد تعبير فيشر ليشته: “كما لو كان اتصالاً شفويا” (1984: 139) إنه ينتمي، فيما يتعلق بالأداء، إلى التراث الذي يضع اللغة في الصدارة قبل التمثيل (نفس المصدر: 154). في مثل هذا التراث فإن وظيفة العلامات غير اللفظية هي دعم العلامات اللغوية (نفسه 158). وعلى الرغم من أننا لا نعرف إلا القليل نسبياً عن ظروف العرض في التراجيديا الكلاسيكية الفرنسية، فمن المعتقد أ، أسلوب التمثيل كان يعتمد على الحد الأدنى من حركة الممثلين (وهو قيد يؤكده ارتداء الممثلين لأحذية طويلة عالية الكعب)، وإن الإخراج كان بسيطاً في تمثيله لقصر الملذات المجرد. باختصار فإن نظام العلامات اللغوي يكتسب أولوية على أساس أسلوبه الفني الخاص، ويتم ترتيبه هرمياً على أساس مسرحي في علاقته بنظم العلامات الأخرى العاملة في سياق العرض. لذا فغن سيطرة نظم العلامات اللغوي، تؤكد على تركيز القارئ/ المتفرج على ما يقال، وعلى الحقائق الفلسفية المجسدة في الحوار.
في الكوميديا، يكون الخطاب الأيديولوجي اجتماعياً وليس فلسفياً. والسلوك الإنساني هو موضوع للفحص الكوميدي ويتعرض للسخرية من أجل سرورنا وتسليتنا، وليس من أجل التأمل. من هنا، حيث تلجأ التراجيديا بشكلها “الكلاسيكي” إلى الكلمات “الفنية” الطويلة التي يفترض فيها أن القارئ/ المتفرج هو المستمع الأول بدلاً من شخصية أخرى (كما في الحوار بين فيدرا وثيسوس) فإن الكوميديا تقدم تفاعلاً اجتماعياً حوارياً أكبر بين الشخصيات. لهذا السبب وحده، فإن المرء ليتوقع أن يجد نظام علامات لغوياً ينتمي أكثر إلى النمط الثاني الذي قالت به فيشر ليشته والخاص “بالحوار الدرامي الأدبي” حيث اللغة “العادية” هي الأسلوب الغالب، ولكن حيث تكون العلامة اللغوية أقل دلالة في الترتيب الحرفي لتنظيم العلامات ويتولد المعنى بالتالي ليس من خلال النص الرئيسي وحده، ولكن من خلال اللجوء إلى النص الفرعي (أي لتفسير الأفعال والإيماءات، وهكذا). ويصدق هذا بالتأكيد على الكوميديا التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الأفعال “الفارس”. وعلى سبيل المثال فإن نص بانتومايم من العصر الادواردي يتكون أساساً من النص الفرعي لتحديد الفعل، والحوار في النص الرئيسي مختزل إلى أدنى حد.
وتعطينا مسرحية (كمل تحب) مزيجاً من كل من نمطي الحوار، وتتألف من الشعر والنثر، وتمثل تداخلاً مستمراً بين نظم العلامات اللغوية التي تتميز بالمكتوب والمنطوق. إن النثر هو ما يسود على أية “حال” فإن أكبر قدر من تأثير النثر في هذه المسرحية هو “تأثير الحياة اليومية، تأثير أشخاص يتحدثون وليس ممثلين يؤدون أدوارهم” (شكسبير 1975: 20) إن الشعر يستخدم أساساً في لحظات متكررة عندما تلمس الجاذبية gravity الكوميديا وتستخدم السمات الفنية للشعر لإبراز الجانب الجدي. على سبيل المثال فإن تخلص دوق فريدريك من روزا ليند في المشهد الثالث من الفصل الأول يتقرر شعراً، ذلك لأنه يحمل تهديداً بالقتل. “إذا كان لك أن تنعمي بالحياة.. فذلك فضل مني، وبكلمة مني تموتين” (السطر 26). إن القوة غير الكلامية للتهديد بالقتل تتمثل في هروب الأبطال إلى غابة أردن (عن خطورة الكلمات وقوتها، أنظر أيلام 1988: 39- 40).
وتعتمد كوميديا البلاط الرعوية على تعميق سوء التفاهم. ويتناقض هذا مع العالم التراجيدي، حيث يقرأ إعلان “الحقيقة” الفلسفية باعتباره فعلاً يتسم بالصدق. عندما تبدي فيدرا ندمها وأسفها على ما اقترفت من أفعال عند لحظة احتضارها، فمن المفترض أنها صادقة. قد يكون الأبطال والبطلات التراجيديين مخادعين لأنفسهم (أوديب- فيدرا) أو يخدمهم الآخرون، لكن الحقائق الأخلاقية التي يدركونها خلال تطور الأفعال التي يقومون بها يفترض أن تكون حقائق لا أكاذيب. والصدق هو أحد الشروط التي حددها سيرل (1969) للأداء الناجح أو الموفق لفعل الكلام. وحيث يجادل أيلام بإساءة استخدام هذه الشروط في الأفعال الكلامية في الدراما (أياجو/ عطيل وهما مثال أولي)، 1980: 163) فإننا نرد بأن إساءة الاستخدام هذه تتضح في الكوميديا أكثر مما تبدو في التراجيديا.
فالكوميديا تزدهر وتعيش على الأكاذيب والخدع وتسعى إلى الغموض وليس إلى توضيح المعنى. إن فعلها يدور غالباً من خلال الخداع والقناع كلاهما في شكل الفعل الخارجي ومن خلال اللغة نفسها. في لحظة جادة، كما في تهديد الدوق بالقتل، ليس هناك شك في أن ما يقال هو ما يقصد، ومعنى القول ثابت وغير غامض. ولكن في لحظة كوميدية يسمح للغة باللعب. إنها الوسيلة التي تبنى المسرحية من خلالها وهي في نفس الوقت هدف للمسرحية في حد ذاتها. وتفصل المسرحيات الكوميدية في التراث الكلاسيكي تفصل بين الاثنين غالباً. وإذا اقتبسنا تعليق نورثروب فراي على الأنماط الجاهزة المتكررة من البنية والشخصية في الكوميديا (1971: 163- 186) فإننا نجد أن اللعب بالفعل (القناع، الشخصية الخطأ، وغيرها) هو الوسط الغالب للصراعات بين البطل والشخصية المناوئة والتي تتمركز حولها المسرحية. والتلاعب باللغة يلعب دوراً كطريقة سائدة بالنسبة لشخصيات ذات طابع تهريجي والتي تخلق الجو الكوميدي الذي يميز الحدث. وفي بعض الأحيان يتطابق الاثنان، كما في تعقيدات التنكر في غابة آردن، والظرف اللفظي: في مثل هذه المشاهد ينتقل الحدث (“يتواعد” أورلاندو وروزالندا على اللقاء) وتجنب الكلام يمثل فرصة للجو الكوميدي الخاص بمرح الإجازة. إن التعقيدات الناشئة عن تعدد الأقنعة تنعكس في التنكر في الخطاب الدرامي ذاته:
روزالندا: ألست أنا روزالندا حبيبتك؟
أورلاندو: فلنتسلى بأن أقول لك أنك هي لأنني سأخطبها.
روزالندا: حسن فباسمها أقول: لا أريدك.
أورلاندو: إذن فباسمي أنا أقول: لك أنني سأموت. (97- 98).
هنا يكون استخدام الإشارة- مصدراً للمفارقة الكوميدية. إن إشارة روزالندا إلى نفسها قائلة أنا تشير إلى “الأنا” الخيالية التي هي في الواقع “الأنا” الحقيقية التي يعرفها الجمهور، ولا يعرفها أورلاندو. لأننا نعرف أن “الأنا” هي روزالندا لن ترفض أورلاندو، فإن رد فعله لهذا التهديد- “سأموت”- غير صحيح إن فعل توليد الحدث من خلال الكلام ينقلب رأساً على عقب- إلى فعل كلام عن أفعال لن تتعدى مجال الكلمات. إن الاستخدام الإشاري “للأنا” المصرح به في المسرحية الكوميدية يعتمد على تعميق غموض الهوية والإشارة إلى الذات. عندما تكون “الأنا” ثابتة وتشير إلى أنا يتكلم، فإن شروط الصدق تتحقق. (عن خطاب “الأنا” في السياق والأنا المتكلمة.. أنظر القسم الخاص بالدراما الراديكالية، لاحقاً في هذا الفصل). وعندما يظهر شقيق أورلاندو أوليفر في الغابة في الفصل الرابع فإن روزالندا وسيليا يسالانه عن هويته:
سيليا: هل أنت أخوه؟
روزالندا: ألست أنت من خطط لقتله؟
أوليفر: نعم أنا ولكن لست أنا. أنا لا أخجل من أن أقول أنه ما كنت أنا عليه، لأنني تغيرت تغيراً إلى الأفضل وأصبحت ما أنا عليه الآن.
إن “أنا” أوليفر التي تدعى هوية جديدة، توازي الاستخدام الكوميدي المتمثل في تغيير الهويات، ولكنه كشف صادق وجاد عن النفس، مصحوباً بأصداء دينية عن الهداية واستخدام الشعر الحر. إن الفكرة تقوى من خلال استعادة الروح الكوميدية (بالعودة إلى النثر) و”تزييف” روزالندا لنوعها وهويتها.
الحوار في التراجيديا والكوميديا البورجوازية
حيث ارتبط استخدام الشعر والنثر بأنواع درامية معينة في العصر “الكلاسيكي” للدراما، فإنه بحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، “العصر البورجوازي” فإن استخدام الحوار الشعري (الحر أو المقفى) لم يعد الأسلوب السائد في التراجيديا. وكل من النوعين معتمد أساساً على اللغة “المنطوقة” بدلاً من اللغة “الفنية” وهذا يعكس تحولاً نوعياً “ارتقت” فيه الكوميديا بينما “تدنت التراجيديا”، وفيه تحل محل العوالم الملكية والحياة المتدنية- وسط اجتماعي واحد يقع في مكان ما بين الاثنين. ولأن مصالح الطبقة المتوسطة الناشئة هي التي سادت القرن تدريجياً، فقد انتقلت الدراما بشكل متزايد ناحية التجسيد الواقعي والإيمائي للقيم البورجوازية التي تحيط بالمسارح والمسرحيات والممثلين والمتفرجين في ذلك العصر.
ولأن الدراما و”الحياة” اقترب كلاهما من الآخر، فإن الحوار الدرامي أصبح أكثر التصاقاً بالحديث اليومي. وسواء كانت المسرحية كوميدية أو تراجيدية، فإنها تحتاج إلى أن تصنع انطباعاً بعالم يسكنه أناس حقيقيون ينخرطون في حوارات يومية ليمثلوا الوسط الاجتماعي الذي كان مألوفاً بالنسبة لجمهور الطبقة المتوسطة. وفي سعيها إلى الواقعية. كانت هذه الحوارات تمثل أثناء احتساء الشاي، أو في قاعات الرقص أو حول موائد العشاء، والحوار الدرامي بالتالي كان يعكس الصياغات والشفرات المهذبة الخاصة بالإتيكيت الذي تتسم به قواعد السلوك الاجتماعي هذه.
في كوميديا أوسكار وايلد (أهمية أن تكون إرنست) نرى الشخصيات في مواقف اجتماعية مختلفة تتناول الطعام وهم على قدر من الأناقة بين شخصيات المجتمع المعروفة في المجتمع الفيكتوري المتأخر، الذين تستمد منهم الطبقات المتوسطة قيمها:
سيسلي: هل أقدم لك بعض الشاي، مس فير فاكس؟
جويندولن: (بأدب مصطنع) شكراً (جانباً) فتاة كريهة. لكنني أريد الشاي!
سيسلي: (بلطف) تريدين بعض السكر؟
جويندولن: (بغطرسة) لا، أشكرك. لم يعد السكر موضة بعد الآن.
(تنظر سيسلي إليها بغضب، تتناول الملقاط وتضع أربع قطع من السكر في الفنجان).
سيسلي: (بجدية) كعك أو زبد وخبز؟
جويندولن: (بسأم) خبز وزبد من فضلك. أن الكعك لا يرى الآن في أفضل البيوت.
سيسلي: (تقطع قطعة كبيرة من الكعك وتضعها على الصينية) قدمي هذا لم فير فاكس. (1988: 265).
في هذا المقطع الدال من الفصل الثاني من المسرحية، تلقى سيسلي (المضيفة) عدة أسئلة مهذبة على جويندولن وفقاً لما يمليه “الإتيكيت” الاجتماعي. ويوضع السؤال إلى إهانة لسيسلي ودورها الاجتماعي كمضيفة. وتنتقم سيسلي بأن تتبع أسئلتها بفعل يشكل إهانة مضادة. إن النص الفرعي ذو دلالة كبيرة إلى الحد الذي يساعد فيه على “تثبيت” النغمة وإدارة الفعل المسرحي. أن المعركة النسائية التي تدول حول فناجين الشاي، هي من ثم تقدم على نمط حوار- من اللغة المنطوقة التي تأخذ شكل: سؤال + هجوم (لفظي) / إجابة + هجوم (لفظي)/ هجوم (فعل). وهذا النمط يلائم الشخصية، فجويندولن سيدة من لندن يمكنها التحدث بما يلائم وسطها الاجتماعي، أما سيسلي الفتاة القروية فتلجأ إلى أفعال صبيانية لتعبر عن ضيقها.
الخداع والتنكر مكملان لكوميديا وايلد مثلما هو الحال في (كما تحب).
فإن “الخداع في سبيل المتعة” أي “التلاعب بالألفاظ” هو في نفس الوقت الأصل البنيوي للكوميديا وعلامة على اللغة المسموح بها في المسرحية. إن نظام العلامات اللغوي يستخدم بهذه الطريقة لكي يعري طبيعته الخداعية والاعتباطية أساساً، لكي يفند بشكل مسلي الأكاذيب التي كانت شائعة في عصر كانت فيه الهوايات الاجتماعية “حقيقة” مثل اللغة التي نخلقها.
وإذا درسنا كيف تستخدم السمات الأساسية للخطاب الدرامي في حوار مسرحية معينة- يمكننا أن نكشف عن مؤشرات خاصة بالنوع (مثلاً تحطيم قواعد الإشارة في كوميديا (كما تحب) أو العلامات اللغوية الخاصة بالمعنى الأيديولوجي (مثلاً تحيات أفعال الكلام التي تدل على الصراع الاجتماعي في هيدا جابلر). ففي مسرحية تشيخوف (بستان الكرز) يكون النظام اللغوي هو المفتاح إلى تأمل المسرحية في قطاع مهمش من المجتمع، إنها إزاحة الارستقراطية على يد طبقة جديدة من عبيد الأرض المحررين. إن عدم قدرة الجماعة السابقة على التكيف مع تغير الأزمنة- تنعكس في خطاب درامي، تقاوم سماته النموذج الشائع للفعل عبر الكلمات.
في أحد المشاهد، تتجمع الشخصيات لتناول القهوة معاً، تتجسد المقاومة في رفض جايف للدخول في استجابة ملائمة مع لوباهن. إن إجابة مثل: “هل هذا صحيح” لا “حقا؟” على جملة لوباهن “الوقت يمر” كان يمكن أن تخلق إمكانية دفع الحوار إلى الأمام إلى تفسير لاحق للتغير. ولكن بدلاً من ذلك فإن كلمة ماذا؟ “غير الملائمة تدعو إلى التكرار ورفض الانخراط في النظام الذي يعتمد على تبادل الحوار والذي يمضي إلى أمام من خلال المتكلم/ المستمع/ المستمع/ المتكلم. إن عبارة لوباهن تترك معلقة ولا يسعى إليها أحد باعتبارها محوراً للنقاش. وبدلاً من ذلك فإن خطاب جايف يحمل بعبق الماضي. إن سيطرة المؤشرات المكانية”، هذه الغرفة “هذا المكان والإشارة المزدوجة إلى أنا وأنت/ الأخ والأخت- تشير إلى محاولة لإعادة تأكيد الإحساس بالمكان الذي يتعرض للخطر في وجود الحاضر الدرامي الخاص بـ “هنا والآن”. إن التمسك بالمكان يشير إلى مقاومة للزمن، والغرفة مازالت تعرف باسم الحضانة، وهي استعارة مكانية للعصر الذهبي للطفولة ورفض مرور الزمن.
إن حوار المسرحية مبنى على أساس مجتمع في حوار، حيث فعل الكلام هو فعل اللافعل. إن عبارات لوباهن المتكررة عن بيع الضيعة وبيتان الكرز، تقدم بلغة مسطحة واضحة، ترفض السيدة رانيفسكايا وعائلتها أن تفهمها. إن النظر إلى قواعد الحوار وكيف تتحطم- يمدنا بفكرة منهجية عن البنية والمشروع الأيديولوجي الخاص بالنص. ويقدم لنا هذا مدخلاً أكثر وضوحاً بكثير من المنهج الوصفي أساساً الذي يعتمه هيمان (وغيره) على سبيل المثال. حيث يقتصر تعلقيه على الحور في (بستان الكرز) على ما يلي: “يمكن للجمهور أن يستشعر ما يجري تحت سطح الكلمات غير المترابطة” (1977: 32) وهذا لا يفيدنا في تحديد كيف يمكن للجمهور أن يستوعب المعاني الضمنية وإلى أية درجة يفتقر الحوار إلى الترابط- (أنظر أيضاً المبدأ الإرتباطي لدى جريس في الجزء التالي).
إن السمات البنيوية الغالبة على حوار (بستان الكرز) عندما تخضع لدراسة لغوية، تبدو سمات متشعبة ومتناقضة مع ذاتها، أي مثل خليط من تراث القرن التاسع عشر المتعلق بمسرحية المجتمع وهو يتحاور، والقرن العشرين الحافل بكسر القواعد. ومن الناحية النوعية تتسم المسرحية بالغموض (لقد عمد تشيخوف أصلاً إلى أن تكون هذه المسرحية كوميدية، لكن ستانسلافسكي قدمها على أنها تراجيديا). لذلك من الصعب أن نعرف كيف نقرأ الرفض لبيع البستان، بشكل كوميدي أم تراجيدي أم عبثي؟ ونظراً لأن أساليب الحوار تختلط وتتفاوت بين إتباع القواعد وكسرها. فربما كان من المعقول أن نفترض أن المسرحية تشترك في الكثير مع عصر الفوضى القادم، وليس مع القرن البورجوازي الذي خلفته وراءها.
الدراما والحوار “الراديكالي”
بينما اقتربت التراجيديا والكوميديا، من الناحية النوعية، من بعضها البعض في القرن العشرين، وتحطمت البني التقليدية في مزيج من الضحك والدموع، فإن التيار المسيطر كان تيار تحطيم القواعد، وبالنسبة للحوار، فعلينا أن نتوقع أن نجد تحطيماً للوظائف التقليدية التي يتسم بها الحوار الدرامي، أي وسائل رسم الشخصية والمكان والفعل، وأن نبحث عن أساليب التمزق وتجلياته في نظام العلامات اللغوي.
إن النصوص المسرحية الحديثة التي تتسم بطرق تحطيم القواعد التي قامت “بتغريب” نظام العلامات اللغوي- إذا استخدمنا مصطلحات الشكليين- قد اجتذبت قدراً كبيراً من الاهتمام النقدي. إن دراسة بيرتون التفصيلية للحوارات التي تحدث بشكل طبيعي في الدراما (1980) على سبيل المثال تعتمد على نصوص من بنتر ويونسكو نظراً لأن عمل هذين الكاتبين المسرحيين يتكون بوضوح من الحوار القصير الذي يقوض التوقع التقليدي الخاص بدوران الحدث الخارجي إلى الأمام من خلال أفعال الكلام. إن مثل دراسة برتون تساعد في تصوير كيف يكون نظام العلامات اللغوي متجاوزاً (يركز تحليل برتون على التحليل اللغوي للكلام اليومي لبيان كيف يستخدم أو يساء استخدامه في هذه النصوص المنحرفة) ويطرح طريقة أكثر منهجية ووضوحاً لرؤية النص مقارنة بالقراءات الانطباعية لعمل بينتر الذي كتبه جون راسل براون (1972: الفصول 1،2،3).
ومن بين مسرحياتنا المختارة، تقدم مسرحية بيكيت (نهاية اللعبة) نموذجاً نمطياً لنظام العلامات الغوي “المغرب” لقد لاحظنا في الفصل الثاني أن التمهيد الدرامي يهتم بشكل تقليدي بتعريف الشخصيات. أما المشهد الافتتاحي في (نهاية اللعبة) فلا يتبع أيا من هذه القواعد والتقاليد. ولا ينخرط هام وكلوف في حوار مبني للكشف عن تاريخ أو هوية شخصية بشكل وافٍ أو يلخص الموقف الذي يجدان نفسيهما فيه عندما تبدأ المسرحية:
هام: ألم تحصل على كفايتك؟
كلوف: نعم! (وقفة) مم؟
هام: من هذا.. هذا .. الشيء.
كلوف: كنت أفعل دائماً (وقفة) ألم تفعل؟
هام: إذن لا داعي لكي يتغير الوضع.
إنه غير واضح، ويظل غير واضح بالتالي ما هو الشيء، ليس هناك توضيح للمرجع. إن هذين المتكلمين- المستمعين يمكن أن يدخلا في سلسلة من أفعال السؤال- الإجابة غير الكلامية والتي يفترض فيها مسبقاً عدم الغموض والتي لا يوجد أي منها- محاكاة ساخرة للقواعد العادية للتحاور، وهي في نهاية المطاف “لا معنى لها” بالنسبة للمتفرج- المستمع. إن هذا يحبط أو يعوق حكمة التبادل “المعقول” في الحوار الدرامي حيث يتوقع المتفرج مثل المستمع أن يحصل على المعلومات. بالنسبة للمتفرج- المستمع من الضروري أن يتعلم وأن يقرأ ويحل شفرة هذه الأفعال، لكي يجعل لها معنى. (ولابد أن يختلط هذا بتفسير أو إعطاء المعنى، مثلما حاولت القراءات النقدية الثانوية غالباً أن تفعل فيما يختص بأعمال بيكيت).
ولأنه من الوظائف التقليدية للحوار، أن يخلق واقع العالم الدرامي والأبطال الذين يعيشون فيه باعتبارهم عناصر مستمرة ومترابطة لاستمرار الوهم، فإن استخدام بيكيت للحوار يمكن أن يفهم باعتباره تحريكاً للساكن. عندما تشير مس تيسمان في مسرحية (هيدا جابلر) إلى الأخت والبيت الذي لا نراه. فإننا مع ذلك نتقبل أنهما “يوجدان” لأنه يقال أنهما كذلك- إن وجود مطبخ كلوف خارج خشبة المسرح تنفيه مع ذلك عبارة هام أنه “بعيداً عن هنا يكون الموت”.
إذا كان ممكناً أن نحل شفرة النص كنظام متعدد الطبقات من المعاني المتجاوزة، إذن فإن هدف الدراسة يصبح العملية التي عن طريقها يحدث الافتقار إلى المعنى والتواصل. ويبرز روجر فاولر هذه الفكرة في سياق تحليل الحوار المطبق على مسرحية (في انتظار جودو) حيث يمكن تعريف “فشل التواصل” في سيطرة التفكك وسوء الفهم وأفعال الكلام غير الفعالة. (1986: 116) بهذا الصدد من المفيد أن تعرف إساءة استخدام المبدأ الإرتباطي الذي قال به فيلسوف اللغة جريس باعتباره كامناً وراء الحوار ذي المعنى. ويعرف جريس أربعة ظروف هي:
1- الكمية أي الإمداد بالمعلومات كما هو متطلب ولكنه بدون إفراط.
2- الطابع، أي الصدق، بلا كذب أو الكلام بدون معلومات كافية.
3- العلاقة، أي أن تكون ذات صلة.
4- الطريقة، أي التلفظ بوضوح ودقة الخ. (1987: 247)
عندما يتحطم واحد أو أكثر من هذه القواعد، فعندئذ يمكن أن يفهم معنى غير منطوق أو “متضمن” يقول إلى زميله في المدرسة فلنذهب إلى المكتبة العامة (وذلك في حضور والده عندما يخطط الصديقان سراً للمقابلة في مقهى، مما يهزأ بالمبدأ الأساسي الثاني. إن المعنى “المتضمن” الذي يفهمه الصديق ب هو: “فلنذهب إلى المقهى”.
إن نصوص بيكيت تشرع في تحطيم قواعد التعاون الحواري التي تمكن من صياغة التعابير وفهمها والاستجابة لها. “هام” هو البادئ الرئيسي لأفعال الكلام لأن اللغة كونها عمياء وغير متحركة، فإنها الوسيلة الوحيدة التي يمكنه بها أن يفعل. أن نسبة كبيرة من هذه الأفعال هي توجيهات أي محاولات لحمل شخص على أن يفعل شيئاً (أيلام) 1980: 167، صادرة إلى كلوف لأنه الشخصية الوحيدة القادرة على الفعل. ولذلك، ففي أحد المستويات، قد يكون معقولاً أن نفترض أن هام هو الذي يقود، أي يوجه الفعل من خلال الحديث. وفي مستوى آخر، فإنه يصبح واضحاً أن التوجيهات ليس لها سياق لغوي موازي يمكن أن تكون ذات معنى فيه. ولا يتحرك التبادل المنطقي الحدث إلى الأمام، لأن هام باستمرار يهزأ بمبدأ الصلة ويحكم الروابط الحوارية:
هام: لم لا تقتلني؟
كلوف: لا أعرف خلطة الثلاجة.
(وقفة)
هام: اذهب وأحضر طارتا دراجة.
من ناحية أخرى، فإن كلوف الذي يملك النظر والحركة، في موضع يهدم فيه المبدأ الثاني لأن هام لا يمكنه أن يرى ما يحدث حقاً. في مشهد الكلب الدمية، على سبيل المثال، يريد هام أن يعرف أن كان الكلب واقفاً، ويجيبه كلوف بأنه كذلك، عندما يكون الكلب ملقى على جانبه (230). وعلى العكس من ذلك، فحيث تتمكن الشخصيات من أن تفهم ما هو ضمني، فإن المتفرج- المستمع لا يستطيع. إن إشارة ناج ونيل إلى الصدام الذي أحدثاه بمركبتهما (19) تتضمن المعرفة بما لم يقال والماضي المشترك الذي يجهله المتفرج المستمع.










