أم الشرايط
مونودراما
كتبها : محــــمود صُـــــبح
تمـثيل : سلوى نقـّارة _ حدّاد
إخراج : خَلـــــــيفة نــــاطور
جميع الحقوق محفوظة
2004
(صوت زامور الباخرة , ضوء كاشف للمراقبة يتحرك على عرض المنصة,
على المنصة براميل وصناديق خشبية .. رصيف ميناء .. وعلى طرفه الايسر حاجز من الحبال ملونة بالاحمر والأبيض وبالطرف الآخر المواجه لمرسى السفن امتدت حبال كأنها سلم الصعود والنزول الى السفينة ومن تحتها امتد بعض اطارات السيارات كواقية من حفة المرسى , وفي الخلفية ربط حبل ثخين به عقد كأنه حبل سفينة راسية. تدخل " صالحة " امرأة تلاوح انصاف الخمسين من عمرها تحمل شنطة قديمة, وسلة بالية بها اغراض , تلبس ملابس رثة ممن لا بيت لهم يبدو عليها التعب والارهاق لانها كانت تركض وراء صوت الباخرة والتي ما زالت في الميناء . تبحث بين الوافدين من الباخرة وتفتش عن احد مسافريها النازلين تتجه نحو الجمهور, تتفرس فيهم علها تجد عن من تبحث )
خليل… انا هون يا خليل… هياني عمبلوح بايدي ومعاي المحرمة المطرزة … اللي اختك زكية طرزتها وعليها اول حرف من اسمي واسمك …( خ .. ص) .. خليل وصالحة .. (تتوجه الى رجل مسن ) يا حج ..شفتلي خليل… شامة ع منخارة.. انتي يا حج عمبحكي معك ….. شعرو مالس وعامله شاليش… بقولك شعرو مالس … يي عزا هذا كنو بسمعش ..(.تتوجه الى امرأة كبيرة في السن ) خالتي ..شفتيلي خليل.؟.. طويل وعيوق.. هيك عيونة عسلية, وسن دهب مزيني حبات اللولو اللي في تمه .. لأ هواسمر يا خا لتي من سمار القمح عالبيدر وعجبينه نجمة الصبح حطت بصمتها ..طويل .. زريف الطول وشنب مفتول قاعد على وجه ..مثل الملك بمشي ..هيك وعلى كتفه شال …(تتوجه الى صبية شابة) وانتي يا شابة ..آه انتي ياحلوة يم خدود تفاح.. بتعرفي خليل … بلكي قعد حدك .. يمكن مسك ايدك وانتي عمتطلعي عالبابور!؟… لانه نخي ..اديب انا عارفتو… صرلي عمر ناطرتو بلكي بيرجع .. ما شفتيهوش يا اختي .. عزيين وليش هيك بتتمايعي زي القرفانه … جعلك لا تكوني شفتيه … روحي ..ليش هو بطّلع علّي زيك يا ملمّعة ومقمّعة .. ريتك تنعمي .. والا لايش .. ريتك تموتي اريحلك واريحلي … انقلعي من وجهي يا وجه النحس …
ولك هيييييييييييييه يا خليل.. تعال انزل يابن الداي والفران ..كفاك غياب … تعال يا بعد عمري … (ضوء كاشف , تختبىء وراء المقعد وتسير على ركبتيها الى ما بعد طرف المقعد باتجاه المرسى ) تعال نشفت الدم بعروقي … طولت الغيبة يا خليل… قلت يوم يومين … جمعة جمعتين .. رحت وما رجعت ياعادم شبابي .. عمبستناك يا رفيق صباي وابن حماي .. تعال وخلصني من قهري ( ضوء كاشف, تهرب من الضوء للاتجاه الآخر وتحضر حقيبتها, تجلس على المقعد متحدية) والله والبيت البناه الله ما بتزحزح من هون الا ما ما تنزل.. وتضمني وارتوي من عسل شهدك … ( تجلس على المقعد وتتحدى).. انزل يا ابن الناس وخلي رحمة الله تنزل علي…
..(وكأنها اعلنت العصيان ولن تبرح المكان قبل حصولها على مرادها , وكأن شيئا اقلق منامها ) ماهو البيت خلص !! راح بح …..( تعود وتعدل جلستها على المقعد)… اولاد الكلب خلعو علي الباب ..قال كنت بالحمام اغسل غبار التعب واتعطر واتبخر لعينونك يا خليل..
- انتي شو اسمك ؟
- صالحة!..
- اسمك الكامل ؟
- صالحة عبد الرحيم الطيب ..
- مين بعيش معك بالبيت ؟
ابن عمي ..عز دياري …
عز دياري .. عز دياري .. فش واحد بهدا الاسم !!
شوفو ما اتيسو .. عز دياري يعني ابن عمي .. زلمتي ..حامي الحما وراعي شبابي .. واضحكت .( تتبسم) وما خلصت آخر حرف الاوبلشو فيي لطش عن جنب وطرف ؟ واتنين قعدو يفتشو البيت وينبشو الحيطان ..أطلعو البارودة.. كان عمي الفران مشتريها هدية ليوم عرسنا .. ما صدقوش انه ما في حدا بالبيت .. جابو كلب بخوّف يشمشم وشمشم بكلاسين خليل المعلقا ع حبل الغسيل … وبلش يحوم بجناب الدار …( تحوم حول المقعد ) واحد منهن يحوم ورا الكلب والكلب داير وراه ..تني بطلت اغدر افرق بيناتهن.
اربطوها… قال الاصلع الناصح وعيونه بتقدح نار.. هاي واحدة منهن هذا بيت ارهابي مخرب …جابو الحبل …وايدي ورا ضهري اتكبلت.. ومن شعري جروني لبرات الباب ..( كأنها تكبلت يداها)
أوامر هدم …
(تستجدي )ان بعرضك يا خواجا ..آخد بس اكمن غيار استر حالي فيهن وشوية اغراض.. يمكن اعتازهن .. فكوني… درت أتفتل بجناب الدار.
(كأنها تحوم في ارجاء البيت وتحاول التقاط بعض الاغراض)
آويها لا تذرفي دمع يا عين
آويها بكرة بيجي ونعمر القصرين
آويها لا تهكلو الهم وارفعو الرايات
هذي غيوم زايلة ويمكن طرقة عين …(زغرودة مخنوقة)
احملت الاساور والحلق وعلبة الخطبة والفستان , الفستان ما نسيتو يا خليل..فستان الفرح الابيض (تصل الشنطة .. وتخرج منها اغراضا كالتي اخرجتها يومها … فيستوقفها الفستان الابيض)….. كنت بدي امسكو من بنت خالي … كسمها قد كسمي … انتي قلت لأ … عروسة خليل ما بتلبس المستعمل … مشّي لعند بهية الخياطة .. القماش من الشام والتخريجة من عمان … والطرحة من غزة.. مستنيك تتيجي تفتح من جديد زراره, وتعود تلامس اسراره
( تمسك الفستان وكانها في ليلة زفافها وتحاول الرقص,, تغني بصوت اجش وتبدأ بايقاع بطيء يتسارع مع كلمات الاغنية )
واتمختري يا صالحة
وتمايلي يا فالحة
عريسك عود القصب
وعيونك فيو سارحة
تمايلي ومهرك دهب ( تتسارع وبصوت يتعالى)
ومشنشلي كروم العنب
عريسك عود القصب
وعيونك فيو سارحة ( تصرخ)
آه….فجروا البيت ع راسي … طرت بالهوا وطبيت على وجهي . ما بعرف شو صار … اصحيت ما بعرف بعد قديش .. ساعة ساعتين … يوم يومين … جمعة جمعتين ..صحيت وعمبرفعو الحجار عني .
( تضع الفستان على المقعد, تُسمع أصوات الناس المحيطين بها )
- استروها…( هذة الكلمة بالذات تترد على لسان نفس الشخص)
- راحت … راحت من ايدينا واحنا نتفرج …
- استروها
- يا حوينة شبابها …
- ارفعوها بعدها بتتنفس ..
- استروها..
- وين زلمتها ؟؟
- كيف بتركها وبهرب ؟؟…
- استروها….
- انا شفته من شهرين مشمل للشمال ..
- استروها … استغفر الله كل شي الها مبين …
- اللي بتكون بها لحالة .. هذي ما بتكون تدور عالستيرة ..
(بصوت ام راجح) يا عالم حرام عليكو ..(تعود لسرد قصتها) قالت الختيارة ام عكازة عوجا …. ام راجح.. غطوني ,لفلفوني واخدوني لبيت ام راجح .. (تجلس على شنطتها )سكّرت الباب علي وما خلت حدا يشوفني او يحكي معي ..تقول يوم يومين , جمعة جمعتين ..شهر شهرين … الايام تمرق زي الليالي ..ما بعرف الليل من النهار .. اصحى ونام عصوات الرصاص والزعيق, وماتورات صوتها اقوي من صوت الماتور اللي ع النبعة ..
- يا خاتي يا ام راجح شو عمبصير في الدنيا ؟؟ …
- عمبحملو الناس عالتركات وبكبوهن عالحدود .. يوم يومين …جمعة جمعتين وبرجعوا .. المهم انتي يصلبّ عودك وتوقفي عجريكي ….
( تنتقل الى وسط المنصة مقابل الجمهور) ولما تلملمت جروحي , قمت افتح باب السر اللي بطل عالحارة .. شمس حراقة عمت عيوني .. ريحة دخان البواريد .. وريحة مقابر ..ريحة موت … ناس تندب وتولول قاعدة عكوام حجارة.. حجارة كانت بيوت .. وناس تبحبش عغراضها.. وناس تنبش بالمزابل تلاقي لقمة تقيت حالها .. وانا حمدت الله اني بقيت ببيت ام راجح …(تنتقل الى الجهة المقابلة) فتحت الباب اطل ولو طلة عبيتنا… وين كان بيتنا…انخبط خبطة قوية وتسكر الباب بوجهي…
- منع تجوّل ….
- منع شو؟؟؟
- منع تجوّل …
- والناس والبيادر وخليل…
ام راجح تطبطب ع كتفي وتقوللي الصبر طيب يا بنيتي …الصبر …… صرنا إنام سواعالصبر ونفيق سوا ع منع تجوّل .. والصبح لما اسمع صوت العصافير و الكلاب والديوك اعرف انو اليوم منع تجول لانهن ماغدروش يمنعو العصافير انها تطير وتغرد و الديوك تصيح بساعة صلاة الفجر و الكلاب اللي إتدور عرفقتها … ولما اسمع دبة اجرين ..اعرف انوالمنع زال والناس طلعت لمصالحها…. لحد المنع الجاي…(تعود لتجلس على المقعد) اتسلى مع ام راجح ….. وتحكيلي قصص وحكايات عن شي كان وشي ما كان.. عن بطولات عنتر وصلاح الدين وابو زيد … ومرات بالليل نسمع خرفشة اقولها شوهادا يا ام راجح تقوللي انه اللي حملوهن وكبوهن ع ا لحدود عم برجعو متسللين.. ويا حوينة شبابهن اللي يكبشوه هي امه… يا يموت برصاصة عميا .. يا يقعد عطيلة كل حياته .. يا يصير يقر عن جماعته تحت القتل والتهديد ويصير عميل …. وفي منهن ينفدو بريشهن … عايشين لحد اليوم ومبسوطين وعندهن ولاد وبنات… يا ريتك تسلسلت عبر الحدود ياخليل… قديش كان نفسي اخلف منك ولد يشبهك .. يحمل اسمك ويخلد ذكرك, يكون شمس نهاري يضويلي عتمة ايامي …. يكبر هالولد ويروح عالمدرسة .. يكون اشطر ولد بالصف, نرفع راسنا بين الاهل والجيران … قال تقوللي الولد لازم يتعلم هون في البلاد علشان يضل تحت عينينا .. قال انا اقول لأ .. ابن خليل وصالحة لازم يطلع عبلاد برة ويجيب الشهادة الكبيرة .. وتقولي ,ولك انت بتغدري تصبري عفراقو والله غير تقوليلو من تاني يوم ارجع يما ..وانا اقولك لأ … علشان ابني ومستقبلو مستعدي اقدم روحي مش بس صبري .. وخليهن يقولو ..اسمالله عليه طلع عبلاد برة يتعلم … والله غاب وجاب … واقعد هيك بالمسا اسهر وافكر .. ترا انتي وين يما ؟؟ ماكل والا جوعان.. شارب والاعطشان وأبكي..ابكي دموع حرّاقة عفرقتك يما لحين تعود . وامسك ورقة من دفاترك ياخليل واخط بالقلم رسالة لابني اقولو ….
"الرسالة هي قصيدة الشاعر عمر الفرا – تسع تشهر"
اكتب سلامي ..اولاً..
واكتب حنيني ..ثانياً
واكتب ..
تسع تشهر حملتك جوا حشاي
تسع تشهر وانتي جار القلب
جيران …اعز جيران …احب جيران
تسع تشهر انتي تكبر وانا اكبر
واحس الدنيا من حولي غدت اكبر (غدت يعني اصبحت – م.ص)
تسع تشهر اقوم الليل .. بنص الليل
واصحى من الفجر وادعي :
إلاهي لا تخيبني
إلاهي لا تعذبني
إلاهي إرأف بحالي
إلاهي ابعث الغالي
تسع تشهر … وما شفت اطول علي من هالتسع تشهر
اشوفك بالحلم تمشي
على روحي على رمشي
اشوفك تحمل بنعشي
اشوفك تقرا بكتابك
اشوفك سيّد اصحابك
اشوفك جايي تتمختر
مثل عنتر
لا مش مثل عنتر .. انتي احلى انتي اكبر
انتي مثل القمر بنص ايامو يتدور
يا ريت تقللي شو اخبارك
واخفف عالبعد همك
زرعت اللهفة بعيونك
انتي بتفكر بامك ؟
تعا يمّا… دخيل عيونك الحلوة … تعا يمّا
ذبحني الشوق.. احب عيونك …احب روحك … احب قلبك ..احب الله .. تعا يمّا
تراني اسا مشتاقة ..
وبالنهاية تحياتي لكل من عشق عينك " نهاية القصيدة "
خلصت الرسالة ….
ولما اخلص من كتابتها .. اضمها لصدري وابوسها عالجنبين وارميها بوجه الريح بلكي يوخدها ويوصلها لبعد عيني …( صوت زامور باخرة) حسرة علي .. مضيت هالعمر ناشف لا حبلت ولا خلفت …( صوت زامور باخرة) هياني هون .. انا هون يا خليل عمبلوح بالمحرمة…خ ..ص
(تتجه الى احد الوافدين )
"يا شب يا بونضارة يا شب يا بونضارة. ماشفتللي خليل".. كان بجيلك لما تركني .. "طويل وطوله من طولك اسم الله من حوله وحولك "الحطه علىراسه لا ففها كرادية "…. عشعره كان يحط زيت شعر من صنع نابلس … "الريحة عطرالحبق والحبق مع اليمون "… بلكي شربت قهوه معه .. تاري يا ناري بحب القهوة "محمصة عالفرنيّة ومهّيلي ومصبوبة بالصينية ومهّيلي" … بلكي لعبت معه شي دق زهر .."حجار الزهر يلاعبها والمحبوسة يلعبها" … قللي خيا قعد حدك … حكى معك .." ماهوناري معشراني وبحب يخالط الناس" .. لا تلوح بوجهك عني يا ابن الناس عم بحكي معك …جاوبني عم بسالك ..احكي معي يخليك لامك … يلعن امك .. يابن المزنطرة ومنطّرة … روح دوّر ع امك الواقفه بالشوارع تتقصع… روح خلي امك تغطي قفاها بحرير ناعم .. ناعم يا نواعم … وهزي يا نواعم …( تعود الى شنطتها) حريرناعم بنغزل بايدين كلّت من الغربة والوجع .. روح.. "ريتو اللي صابنا يصيبكو واللي نابنا ينوبكووالغربة من نصيبكو" .
(تخرج قنينة ماء لتشرب ..وتيرموس قهوة, تصب لنفسها فنجان قهوة وتشرب وتقلب الفنجان ) هاي باول ايام الاستحلال انقطعت القهوة .. وصرنا نحمص الحمص والشعير … وطلعت سعيدة مرت سعيد الاطرش تشهق وتقول :
آويها شربنا قهوة شعير……….. آويها وبعد القهوة شنهوقا
آويها بكرة بتقوم الحمير………… آويها بدها تطالبنا بحقوقا
(زغرودة.. تمسك بفنجان القهوة وتقلبه كانها بصّارة)
شايفتك ياخليل…. جاي عحصان اصيل ابيض … متل صلاح الدين .. تلوح بسيفك .. والناس شو ناس …متل النمل بقاع هالوادي … قاعدين يتسمعو ع كلامك الحلو… شي افهمو وشي ما افهمو … وانا انادي عليك ياخليل… وطايرة فوق الناس وصوتي ينبح …. وانتي مش سامعني… وما احس حالي الا انا بنص بحر غميق موجه ياخدني ويوديني..وانه عليك …لا اناواصلتك ولا انتي سامعني …(تبصم بالفنجان ) شايفتك تقاتل بغوله سودا عيونها متل الجمر وطولها متل العامود اوله بالارض واخره عند السما اجي لعندك بدي امسك بايدك.. هياني عمبقرب عليك ..
(ضوء كاشف, تنتفض من مكانها ) (للضوء) بكفي عاد… خلص .. عميتني … وين اروح ..فش وين اروح .. انتي لوينتا بدك تضل ملاحقني .. وان رحت وين بدو يلاقيني خليل .. ان مرزوعة ومبحطا هون ..من هالمراح ما في رواح ..وها…
ماهومن يوم ماتت ام راجح وانا مشحشطة .. بعد ما ماتت صرت اقعد لحالي في البيت بين اربع حيطان ..الدقايق تمر كانها ايام … الايام مثل بعضها ..اليوم زي امبارح زي اول امبارح زي اللي قبله.. احس الحيطان عمتكتم ع نفسي واشباح تيجي واشباح تروح تتنطط ع خيال ضي القنديل …… اطلع ع حالي بالمراي المشحبرة ومنقرة ..اخاف ..اخاف من حالي .. (تخرج علبة الماكياج وتدرم نفسها)صرت مثل الزهرة الدبلانه .. بدي ارتوي ..بدي حدا يحبني.. بدي ايد تلاطفني وتلعب بشعراتي وتمسح الهم والغم عن وجهي .. واحس شريي دبت بجسمي … ونمل عمبسري بدمي … قلت لحالي وك يا صالحة . اصحي.. انتي شو ناقصك … دافني حالك بالحيا.. اطلعي من البيت شوفي وجه ربك.. صرت ازيّن شباببي ادهن خدودي واكحل عيني واحمر شفافي ,اتزيّن عساك تعود يا بعد عمري … صرت اطلع اشتغل … امسح واكنس واغسل .. المهم اطلع من خنقة البيت … ويا حرة مع مين علقتي … العيون تفتحت علي و شريد اللي صار بدو ينهش بلحمي … ان طلعت وين طلعت وان نزلت وين راحت.. وعيون.. عيون مبحلقا فيي وبتعد علي اللقمة والنفس … ياعالم معدتش اغدر اتحمل… اجو ولاد ام راجح بدهن بيت امهن …حقهن …هدا ملكهن … احملت البقجة وشنطة جهازي واطلعت مع وجهي .. وصرت الطي من بلد لبلد … مطرح ما بترزق الزق … درت البلاد من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها … درت من بيت اشقع لبيت ارقع .. وارجعت اغسل وامسح واكنس … واشتري اواعي مستعملة من الكُبانية وادور ابيعها في البلاد طبعا بعد اذن الحاكم العسكري تصارو الاولاد بالحارات يطقطقولي عالتنكة و ينادوني ام الشرايط …
ام الشرايط اجت عالحارة
حاملة شنطتها وبايدا اسوارة
لاجئة خربية وغرقانة المية
ولادها الشرايط عليهن اشارة
تركها عريسها وسافر على الغربة
روحي شوفي جوزك شوجابك عالحارة
بزعلش منهن ما هني الكبار اهل البلاد اللي بقيت عامرة ينادوني يا خُرَبية.. يا لاجئة… انا صرت لاجئة… يللا ما احنا كلنا لاجئين, انتي لاجىء في بلاد الغربة وانا لاجئة في بلادنا…. حاولت ارجع لبلدنا… مطرح ما كانت بلدنا… لقيت كل شي مقلوب .. والارض مسيجة والبقر يسرح ويمرح فيها .. رحت عبيتنا … مطرح ما كان بيتنا ..قلت بلكي بكعكر حجرين أآوي حالي ….. قال ممنوع … ليه ممنوع يا خواجا … املاك غائبين انو غائبين؟؟ هذا بيتي وبيت جوزي … شفت الغيبة يا خليل شو بتعمل؟ … شفت؟… عاودت اتشحشطت من اول وجديد…
- هياها اللي تشحرت ببيت جوزها وبنص دارها …
- حلوة وبتستاهل كل خير ….
- اتاري هالجمال وين كان متخبي ….
جاهات تروح وجاهات تيجي … والكل بدو رضاي …. ويطلبو ايدي … طرابيش.. مسابح …عبايات مقصبة ..قنابيز ..حطات , عقل .. وبدلات ع الافرنجي … ويعملو اجتماعات ويقررو مين المسؤول عني ..مين الي بدو يتوصا فيي ويصرف علي …. وانا ماحدا في بالي غير ابن الفران …
ياعمي ماعدش يرجع ..
- عضامه صارت مكاحل ..
- ماهو يا خوي ابو عدنان لو انه بدو يرجع كان رجع او بعت اشارة …
- حكيك جواهر يا بو العبد ..المرا لازملها زلمة يسترها ويسندها .. لازمها زلمة …
اي زلام يا قليلين الحيا … انتو زلام انتو … وين كنتو يا ابو عدنان ويا ابو العبد لما انهدم بيتي عراسي…وين كنتو لما تقطعت وتشردت ….. بحضون نسوانكو ولا بحضون بنات الهوا .. وقفتو متل الديوسين تتفرجو لما انخلع باب بيتي وارتميت عريانة .. مليتو تمامكو بالمي والخرا .. ولا واحد فيكو اطلع صوت.. ركّبتو قرون ووقفتو تتسمعو عليّ بإن وبعن .. .. قلتو لحالكو غلب وستيرة ولا غلب وفضيحة …. شرفكو إنداس ؟ وتمرمغت شواربكو بين اجرين صالحة؟ … تعالو خدوهن … تعالو اتمرمغو بالدم والوحل والطين … اوعكو تغسلوا وجوهكو الا لما يرجع خليل…
( صوت زامور الباخرة تلتفت الى الباخرة, تعود لتجلس على البرميل ,تفتح شنطتها تلاحظ الاغراض التي في حوزتها , تخرجها من الصندوق وتعرضها) هاي القُرن عملتهن ندى بنت جابر .. تشترى … قُرن ياخالتي بكرة بنتك بتتجوز ولازمها قرن بجهازها … عملتهن ندى ع الطارة … والله تنقرت عينها وهي تسهر هاي الاقراص شغل ايد عالصنارة فش متلها اليوم … كلها معمولة من خيط ابو سمكة .. من اللي كان بجيبها بطرس جنّوفة …. هاي الحلق ..دهب تركي عيار اربعة وعشرين والاساوروالكردان كلهن طقم واحد .. مش ما رح ابيعهن بسعر رخيص .. ها.. هادا دهب اصلي ( تتفحص الذهب باسنانها لتثبت صدق كلامها.. تنبش في الشنطة)هاي القراص جبتهن ام حسين … الف رحمة تنزل عليكي يا ام حسين… بتذكر يوم ما رقتك.. من عين ام صابر.. بعد سهرة نايلة بنت خديجة المفلح … إلا م انتي واقف رويس عالدبكة ومعنق متل الديك وتتفتل متل الغزال .. والصبايا تنقدك من ساسك لراسك … يومها الكل عرفو انك رايدني عن دون كل الصبايا .. وفاطمة بنت ام صابر كانت تموت بدباديبك وكانت دلوعة امها , ولما امها عرفت بقصتنا .. لطشتك عين ارتميت فيها اكتر من جمعه … عجز الدكتور موفق البيروتي وما عرفلك طب ولا دوا …. وحيات امك راحت جابت الشيخ رضوان قعد يقرا ويحسب ويفرفك بايديه وعيونه مجمري .. ويدعك البخور في الكانون …. يطلع من الاوضة ويقول :- شيطان … شيطان رجيم راكبو… شريي دبت بجسمي واتمنيت اكون محلك .. تلات ايام ما فات الاكل تمي …. ابكي واتشهنف تصفيت متل العوده.. وانا رحت اركاض لعندها هديت عليها وقلتلها دخيلك يا ام حسين .. بدو يروح مني .. ايدي بزنارك يا خالتي .. هو عمري وضي عيني … لا تخليه يروح من ايدي … وام حسين غلت الزيت ومرقتو من فوق راسك وطشت رصاصة, سمّت عليك ورقتك .. وامي تقولي : والله لو يعرف ابوكي ليدبحك متل النعجة .. لوينتا بتفكري راح اضل استر عليكي ……وان اقولها معلش يما بس هاليوم بس يقوم بالسلامة … وقمت بالسلامة واول تمتمه على شفافك كانت ,صا… صالحة .. صالحة ..يعني انا … ما انا هون .. انا حدك .. انا اللي هكلت همك… ومش بعدها جيت انتي واهلك وقريتو فاتحتي . وتجوزنا … طب طل يا خليل.. ولو طلة صغيرة يا ابن الناس …. قللي انك عايش .. قللي انك بتحبني .. قللي إنك بعدك بتحب الزيت والزيتون والزعتر قللي انك حابب ترجع ….
.. خديلك يا صبية وجوه للمخدات هدول طرزتهن زكية اختو لخليل …في مجوز وفي مفرد.. شرشف شغل امي ..الله يرحمك يما ..مشغول عالنول مش راح تلاقو زييو اليوم … وهدا الفستان ( كأن شيئا استوقفها )… آخر مرة لبستو يوم جنازة محمد ابو دقة… كل الناس لبست الاسود الا انا .. لبست هدا الفستان الابيض …
كنت في خربة في الشمال و الجيش ضرب طوق عالبلد … طلع المختار ابوسليمان العارف وقال: اللي بسلّم بسلم و من دخل بيت المختار فهو آمن …. والشباب راحو سلموبواريدهن .. راحو عبيت المختار يحتمو فيو … اجا الجيش, حشروهن بالسيارات متل السردين ,وكبوهن عالحدود… وضل بالبلد اكام شاب بعمر الحبق …
قعد الحاكم العسكري وجيشة في البلد والمختار يدبح كل يوم احسن خروف ويمد الولايم … تاريهن عمبدوروعليه … على شاب اسمه محمد ابو دقة …. وهادا محمد ابو دقة شهم من هوشة … بقولو انهيوم معركة هوشة قتل منهن بيجي كومة واخد برودة مترليوز انجليزية ,آه بس انصاب بضهرو.. قعد اكم اسبوع مناح بالفرشة ,تأجا الدكتور موفق واطلع الرصاصة من ضهرو …. حظه اجت بالضلاع ونجي من الموت… ولجأ بعدين هو وامه من هوشه واجا عالخربة …كل شباب البلد بعرفوه وبحترموه… كان اهون عليهن الموت ولا يسلموه .. الا المختار… عاد محمد متخبي بالمغر شرق البلد .. وكان الولد سالم ابن احمد المغربي يحمل البقجة ويوديله الاكل والشرب .. وسالم هادا كان عمرو عشر سنين بس عقله بوزن بلد .. عاش عند ستو لبيبة تنوالله اخد وداعتها …وبعدين اتبناه المختار … يوم اجا هالسالم وقال للمختار قدام الحاكم العسكري انه شاف واحد بشبه محمد ابو دقه حد شجرة السدرة اللي ورا الصبرات… طابور عسكر طلع لعند الصبرات….. الولد سالم كان رابط قندوله بحبل البير حد المدبرة ولما الجنود قربو شد الحبل والدبابير فاعت في وجوهن وصراخهن وصارو يقوسو شمال ويمين ..رجعو عالبلد إمورّمين…قعدو يدورو على سالم… وتقول الارض انشقت وبلعتو … هرب عالاردن يا حرام ومن هناك سافر لاميركا وصار دكتور كبير..عاد انبخس المختار قدام الحاكم العسكري .. ايه مهو مربيه …قام الحاكم ربط المختار علي حماره بالمشقلب ونهرو الحمار … راح المختار ولحد اليوم ما حدا بعرف عنه وين اراضيه … يوم اجت خبرية انه محمد ابو دقة في البلد .. فنجرت عيون الحاكم العسكري , لم كل شباب البلد بالساحة حد البيدر و كان بينهن محمد ابو دقه ..
الحاكم قرب ع الشباب …وبلش يسأل :
- انتي شو اسمك ؟
- محمد ابو دقه
- وانتي ؟
- محمد ابو دقه
- وانتي محمد
كل الشباب صارو محمد ابو دقه .. والحاكم يصيح والزبد يطلع من تمه … دقو عمدان خشب داير ميندار الساحة وعلى كل عمود ربطو واحد من الشباب وعصبولو عينيه … يومين بدون اكل ولا شرب …. والشباب صامدين ولا حدا قر … واحنا نتطلع والحسرة فينا وما حدا مسترجي يقرب … وثالث يوم .. طلع الحاكم وبايدة سيجارة ثخينه وقال انه شفقان ع الشباب … وسمح بس لامياتهن … يعطوهن اكل وشربة مي … راحت كل ام جابت اللي فيه النصيب و ام محمد اجت حاملة منقوشة بزعتر ومنقوشة ببصل محمر وابريق مي …( تقلد ام محمد ) وينك يما يا محمد .. خد كل ياحبيبي .. الله يديمهن.. سمحولنا نطعميكو ونسقيكو … هدت عليه وعبطته … الله يسامحك يما ويصبرك … قال محمد وسحلت دمعة من عينه…. تاري الملعون الحاكم بعرف ام محمد ابو دقه .. الحاكم خلا الشباب مربوطين بالعمدان.. وأخدو محمد وصلبو ع ميذنة الجامع تنو سلّم روحه لباريها ..وام محمد انجنت ودارت .. كل يوم بتعمل منقوشتين واحدة بزعتر وواحدة ببصل محمر وابريق مي .. وبتدور تدور ع ابنها ..
( نرى صالحة الآن قد ارتبطت بالمشهد يوم وقوعه, فتستعيده في ذاكرتها المرئية وتتصرف كما فعلت يومها وتتحول الى الفستان المعلق )
يوم جنازة محمد الناس السواد غطى البلد والآذان طلع بالجامع (صوت الآذان مختلطا مع قرع الاجراس في الكنائس) والاجراس تدق بالكنيسة ودموع حراقة تنزل عالخدود .. الكل يبكي…. بعد مازفـّوه باحلي جنازة وحنّـوه ولبسوه الشباب عباية العرس..
( تناويح زفاف الشاب الميت …موسيقى بايقاع خاص وانغام جنائزية..وتتحول بعدها الى موسيقى تجلاية عروس ولكن بايقاع ونغم خاص )
حسيت حالي عروس بليلة دخلتها … حسيت انها زفة عرسي … روّحت عالاوضة اللي كنت عايشي فيها ..بدي اشلح اواعي التعب والعيا واحمم جسمي… والبس ثوب الفرح .. الفستان الابيض اللي قماشه من الشام والتخريجة من عمان… قطفت ضمّه من النعنعة اللي باب البيت علشان ازين ايدي واتبارك وتكون ايدي خضرا طول ايامنا .. شفتك يا خليل… قربت عليك .. قلبي زادت دقاته… قلبي يركض وانا اركض وراه ….. ودرت اتفتل بالغرفة فرحانه وطايرة .. اجري مش حاملتني ….
( صالحة ترقص تجلاية عروس بإيقاع بطيء يتحول بعدها الى سريع )
(تتحول الموسيقي من تجلاية عروس الىموسيقى مع ايقاعات دروشة جنائزية)
وزغاريد ترفعني للسما … وصرخات تحطني بالارض .. والحيطان تدور وترقص حوالي.( ترقص صالحة رقصة بحالة هذيان تميل وتميد تصول وتجول تقع وتقوم) ( امكانية اغنية تعبر عن الموقف مع نهاية الاغنية تمتزج اصوات طرق على الباب ) …( يسمع صوت) هيه يا صالحة .. جاي ياغلمان جاي…. بدهن يقتلو بقية الشباب ..ولك هيه يا صالحة .. تعالي ..اطلعي …
ليه انا؟ ما انا لابسة ثوب العرس يا ناس.. انا عروس بليلة دخلتها … خلوني ارقص …فلتوني اطير… اعطوني اتهنى بليلة العمر .. مستكترين علي لحظة سعادة.. اسا بزعل خليل… ليه اسّا … اتركوني بحالي…
( صوت من الخارج) تعالو يا مشحرين يا معثرين.. الشباب في الساحة بدهن يعدموهن .. شوفوهن ليدبحوهن .. ولكو روحو … اطلعو … تتركوهنش .!!!!!!
فتحت الباب وركضت حافيه اجري فوق راسي … وصلت الساحة وتحولت كل العيون علي … سهام نار.. نار حامية بتكويني, شرية دبت بجسمي .. عرقت وبللني العرق … سبع شباب مثل الحبق كانو معلقين مثل الذبايح على المسلخ .. وبواريد الجنود مسلطة ع روس الشباب يستنو الامر من الحاكم تتنحني الجباه وتبوس التراب… حسيت عيون الشباب المعصبة بتستنجد فييي….. قلتلله ياحاكم استنى …
( كأنها تتجه نحو الحاكم العسكري) ومديت ايدي على قشاط بنطلونو .. سخسخ الملعون.. روخي من هون في معنا اوامر … قلتللو عارفه وبروحي بغامر …شوبدك؟؟… قلتلله رجّال.. مش انتي رجّال ؟؟ … شو طلباتك ؟؟ قلتله اترك الشباب بحالهن.. خليهن يروحو.. اعفي عنهن .. ضحك ضحكه صفرا … قال يلّلا … لأ.لأ.. بالاول حرر الشباب … فنجر وقال وبقية الجنود … قلتلو مش هني رجال … ورجال ابطال ؟؟؟!! اعطى الاشارة وجنودو نزلو البواريد … قطعوا الحبال من ايدين الشباب ونهرو عليهن متل ما ينهر العجال ع روس البقر … روخ .. روخ …. قرب مني شب اسمه عوض … قلتلله روح عمر جديد انكتبلك, روح .. خد صحابك وروحو قبل ما يتراجع الملعون ويختلط دمي بدمكو .. حملو الشباب حالهن ومشيو بطريقهن نظرة على الارض ونظرة عليي … والناس في الحي ساكته ومبحلقا … صافنين ومش دريانين انو شيطان ربط لساناتهن وعقولهن.. والنسوان تلطم …
قلتلله.. يلـّلا.. الحقني انت وكلابك.. سبعة بالعدد فاتو علي واحد ورا التاني .. اول واحد.. كتمت الصرخة في صدري .. والتاني ,حبست الدمعة بعيوني .. والتالت ربطت الكلمة علساني … والرابع … والخامس .. والسادس … وسابعهن..(تضحك)..سابعهن شهق قبل ما يوصلني.. وحتى لا يغلب قرصني من صدري … اتمنيت الموت سبع مرات حتى عزرايين ما قبلني …
مثل الجاجه المدبوحة قمت اتدروخ .. مش صاحيه ع الدنيا … الناس قدامي غباش … ورعشة باردة تنخر بعضمي….. وقفت ع الباب وسألت :- مشيو الشباب ؟؟
مشيو الشباب !! عاشو الشباب ؟ … عاشو الشباب… الشباب عاشو وانا عشت … انا عشت وعاشو الشباب … انا عشت وعاشو الشباب…
(تنتفض صالحة لتعود الى وعيها , تلملم نفسها) مش آخر الدنيا … امسحي ياصالحة دموعك وعيشي …خلص , انا معدش عندي ايش اعطي .. انا بدي اعيش … بدي اعيش اليوم وبكرا وبعد بكرا..
ما دام الضي بعيوني.. راح يضل شوقي يحرقني ….
ولك ارجع ياخليل ..ارجع يا ابن الكلب!!!!!!!!!
(صوت زامور الباخرة )
تخرج
النهاية



